«نورمبرج»: معركة العقول بين رامي مالك وراسل كرو.. هل سقط الطبيب في فخ النازي؟

صراع نفسي حاد في «نورمبرج»: هل ينجو الطبيب من براثن أخطر مجرم نازي؟

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في اخبار الفن والثقافة.

يحمل فيلم “نورمبرج” اسمه من المدينة الألمانية الشهيرة، التي شهدت في أربعينيات القرن الماضي محاكمات تاريخية ومثيرة للجدل. تلك المحاكمات جمعت القوى الكبرى الأربع: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، التي تحالفت لهزيمة ألمانيا النازية ومحاكمة قادتها العسكريين.

يبدو هذا العمل، الذي يندرج تحت أفلام دراما الحرب العالمية الثانية، وكأنه صُنع بمزاج خاص. فقد حرص كاتبه ومخرجه جيمس فاندربيلت على استكشاف ما وراء القصة التاريخية المعروفة، مبتعداً عن الإرث السينمائي الثقيل الذي ارتبط باسم نورمبرج.

صحيح أن هذا هو هيكل الفيلم الحالي، لكنه لا يدخل في منافسة صامتة مع الفيلم الشهير “الحكم في نورمبرج” للمخرج ستانلي كرامر الذي أُنتج في الستينيات، ولا يعيد تدويره. فبينما بذل العمل القديم جهداً كبيراً لصياغة لغة أخلاقية للكارثة البشرية وتأكيد أن المحرقة هي ذروة الصدمة، يحاول فيلم اليوم، “بنواياه المضمرة” التي طفت على السطح تحديداً في مونولوج طويل، وفي هذا التوقيت الذي يشهد تعاطفاً عالمياً مع الإبادات الجماعية، تمرير رسالة هوليوودية مفادها أن المحرقة هي المأساة البشرية الوحيدة، والمظلومية الكبرى في الوعي الغربي. وهذا ليس حكماً مسبقاً، بل نتيجة طبيعية.

لا يمكن للمشاهد أن يرى هذه الدراما دون أن يمر بباله شريط من صور وأصوات الإبادات والحروب والعنف الذي يجتاح العالم مؤخراً. بل قد يتخيل سيناريوهات مشابهة لأحداث الفيلم، لو تمت محاكمة المسؤولين اليوم، وماذا ستكون مبرراتهم حينها.

إذا ما استثنينا كل ذلك، وتعاملنا مع العمل كمادة فنية خالصة، فإن الفيلم يضع جرائم الحرب كظل ثقيل يضغط على الشخصيات من الداخل. لذلك، جاء هامشه كتقرير للجرائم في قاعة المحكمة، بينما يكمن متنه الأساسي في العلاقة الثنائية بين الطبيب النفسي دوجلاس كيلي (رامي مالك)، المكلف في الجيش الأمريكي بتقييم الحالة العقلية للمجرمين قبل المحاكمة، وبين السجين الأعلى رتبة بين قادة النازيين والرجل الثاني بعد هتلر، هيرمان جورينج (راسل كرو). تستند مواجهتهما الحوارية إلى كتاب “النازي والطبيب النفسي” للمؤلف جاك الحاي.

قبل بدء المحاكمة، يغير الفيلم نوعه جذرياً، ليتحول من رصد تاريخي إلى مواجهة نفسية تعتمد على الحوار والتلاعب وإدارة السلطة داخل مساحة مغلقة.

فكيف تشكلت هذه العلاقة الغريبة بين طبيب عسكري وسجين نازي، وما الذي آلت إليه؟

فخ العاطفة والجسور العائلية

يبدأ الفيلم في صلب الحكاية، من خلال جهود القاضي روبرت جاكسون (مايكل شانون) لمحاكمة النازيين علناً بدلاً من إعدامهم رمياً بالرصاص. هذا القرار فتح باباً واسعاً لأغوار الشخصيات، حيث يكتشف الطبيب “كيلي” منذ البداية، وقبل الاعتقال الرسمي للقادة النازيين الأحياء، أن القائد الألماني هيرمان جورينج يتقن الإنجليزية ويتعمد إخفاء ذلك. تتضح طبيعة اللعبة مع الوقت من خلال لغة جسديهما؛ فكل طرف يختبر الآخر، وكل إجابة تُحضَّر بوعي كامل.

لكن السيناريو استثمر هذه الوظيفة ليخلق منطقة رمادية، بتطعيم الأدوات النفسية. فلم تظهر مشاهدهما تحقيقاً رسمياً ولا علاجاً نفسياً. في هذه المنطقة، تتشكل علاقة تبدو ودية، تتخللها زيارات متكررة للزنزانة. بدأت مع زميله في الجيش الذي يعمل مترجماً في بداية الاستجواب، ثم غدت هذه الزيارات منفردة، تتخللها أحاديث جانبية مرحة، وألعاب ورقية، وحديث عن الروابط العائلية والدفء والصداقة. هكذا عرف هيرمان كيف يطبخ على نار هادئة، ليخرج الطبيب تدريجياً من الطابع المؤسسي للجلسات، ويدخله إلى باب بيته.

تدخلنا الحبكة معها في ذات المسار العاطفي، عندما يتولى الطبيب تسليم الرسائل لزوجة هيرمان وابنته. يتواطأ لأجل هذا الهدف النبيل، وتستولي عليه الشكوك حول حقيقة سادية هيرمان، ومحاولته إثبات العكس لدى القيادة العسكرية، وذلك بعد كل مرة يخرج فيها من الزنزانة مدهوشاً بحجم الوعي والعاطفة والحكمة لدى مجرم معتقل بتهمة إبادة وحشية.

وهنا تكمن رشة السحر في هذا العمل السوداوي، داخل كادر الزنزانة الضيقة، بألوانها الترابية المعتقة، وما يفضيه الحوار داخلها من مخاوف وصراعات نفسية. لقد تحولت هذه الزنزانة، مشهداً تلو الآخر، إلى ساحة مفاوضات للسيطرة النفسية. القائد المعتقل هيرمان، يعيد توجيه النقاش، ويستدرج الطبيب لتبني افتراضات أخلاقية لم تُختبر بعد.

كل ذلك في تخطيط بطيء، يتراكم عبر التفاصيل الحوارية، ويكشف هشاشة الاعتقاد بأن المعرفة العلمية وحدها تمنح حصانة تلقائية أمام الخطاب السلطوي. وقد تبين هذا مع ارتباك الطبيب كيلي أكثر من مرة أثناء دردشته مع هيرمان. وكان هنا تحدي الممثل رامي مالك الحقيقي أمام الكاريزما الطاغية لراسل كرو، إذ لعب الشخصية من الداخل بأداء نفسي صامت، وهدوء مربك لا يخلو من الدعابات في فيلم ثقيل درامياً.

استمر الهدوء التأملي من قبل مالك في مرحلة التقارب الأولى، كي يستبعد من خلاله سؤال الذنب إلى سؤال الكيفية: كيف يمكن لعقل منظم، مثقف، ومتزن ظاهرياً أن يُعيد صياغة العنف كضرورة تاريخية، وكيف يمكن للإنصات غير المحسوب أن يتحول من أداة فهم إلى نقطة اختراق؟

بداية اللعبة

توغلت مباراة الذكاء عند أول شعور بالإخفاق من قبل الطبيب، بعد انتحار معتقل نازي آخر في زنزانته، والخوف أن يلقى هيرمان نفس المصير، فلا يستطيع كيلي أداء واجبه العملي، ولا استكمال مشروع حلمه في تأليف الكتاب الذي يدون اعترافات هيرمان. إثر ذلك، تم التوجيه لاحقاً بحضور طبيب آخر لمشاركته المهمة (يقوم بدوره الممثل كولين هانكس)، وهو ما أشعر كيلي بالإحباط. وفي لحظة شرود، وجه الطبيب سؤاله إلى هيرمان بهدوء مهني، عن رأيه في الانتحار. لم يعلم أن سؤاله هذا قد فتح نافذة خلل خفي في موازين القوة، ينظر هيرمان إلى الطبيب ملياً، كما لو كان يقرأ هشاشته قبل أن يسمعها. هنا.. تبدأ اللعبة!

الجملة التي يلقيها هيرمان لاحقاً بابتسامة جانبية: “أنت في ورطة”، تعمل كتشخيص معكوس. فالطبيب الذي جاء ليقيس عقل رجل مهزوم، يجد نفسه الآن أمام تحذير من مريضه حول شبكة مفاهيم السلطة، ومن الحلفاء تحديداً. فهم بحسب هيرمان، ليسوا ضمانة، بل احتمالات خيانة مؤجلة. السلطة، من وجهة نظره، كيان يفرض على صاحبه يقظة وجودية دائمة، لذا ليس كل حليف يعني أنه يقف في صفك!

بعد هذه الجلسة المربكة، يصف الطبيب في تقرير التقييم النفسي أن القائد هيرمان واسع الخيال. تبدو العبارة في ظاهرها توصيفاً تقنياً، لكنها في العمق اعتراف مبكر بالعجز عن الإمساك بجوهر الشخصية. فالخيال بالنسبة لهيرمان في سردية “الأنا” السلطوية يبرر ويشرعن كل شيء. في المقابل، يركز الطبيب دوجلاس على الإنسان الفرد، على العائلة، على الرسائل، على الطفلة التي ترى في أبيها صديقاً لا جلاداً. لقد نجح هيرمان في لعبته، وجعل التعاطف يتسلل من بوابة التفاصيل الصغيرة، رغم نكرانها ظاهرياً.

المحاكمة

شكلت جلسة المحاكمة الأولى من نوعها، أثناء عرضها المواد المصورة عن العنف المنظم في معسكرات الإبادة الجماعية، صدمة بصرية لدى الحاضرين، كما أدت إلى كسر الثقة بين الطبيب النفسي دوجلاس كيلي وبين هيرمان جورينج.

حتى تلك اللحظة، كانت المواجهة قائمة على توازن محسوب في السيطرة الحوارية، وتمنح توتراً عالياً لدى المشاهد، بينما يحافظ كيلي على إطار مهني يسمح بالمراقبة والتحليل دون انخراط انفعالي مباشر. جاء دخول الصور الموثقة للمحرقة ليغير طبيعة العلاقة جذرياً. ينفجر غضباً: “لماذا فعلت كل هذا بالبشر؟” يرمي هيرمان الكرة في ملعب الطبيب ويضعه أمام تاريخ مماثل، وذلك عبر المقارنة بالقصف النووي الأميركي على اليابان، كمثال على العنف المشرعن.

يقوم هيرمان بهذا الرد كآلية إسقاط مضاد، تنقل عبء الذنب من الذات الفردية إلى سياق دولي أوسع. المقارنة لا تهدف إلى التبرير، بل إلى زعزعة “الامتياز الأخلاقي”.

الحرب، في منطق هيرمان، ليست حكراً على أيديولوجيا واحدة، إنها ممارسة بشرية (حين يسمح المجتمع بذلك).

الجملة الحساسة في هذه المواجهة الحادة ليست عن الجرائم، بل عن مصير الكتاب الذي يفترض أن يمجد مسيرة الطبيب. هيرمان يدرك موقعه السردي في الكتاب بدقة، ويستخدمه كسلاح، مؤكداً بنبرة متعالية: “أنا فحوى الكتاب، وأنت مجرد ملاحظة أسفل الصفحة”.

إذن، الطبيب الذي كان يعتقد أنه يمسك بخيوط الحكاية، يدرك متأخراً أنه جزء من حبكة أكبر، وأن معرفته مشروطة بقبول الطرف الآخر للعب الدور.

يتحول كسر الطبيب النفسي إلى شرخ يمتد خارج الإطار العلاجي، فالصدمة تظهر لاحقاً في تفكك حدود السرية المهنية، حين تنتقل تفاصيل الجلسات السرية إلى الفضاء العام وتفقد المؤسسة العسكرية ثقتها به. يمكن قراءة هذا السلوك كأثر للصدمة الثانوية التي يتعرض فيها المعالج لانهيار تدريجي في أدوات الضبط نتيجة التعرض المكثف لمحتوى عنيف دون دعم مؤسسي كافٍ.

الفيلم، عبر مسار كيلي، لا يقدم سقوطاً أخلاقياً، إنه حالة لفشل علاجي جزئي أمام شخصية فاشية، تمتلك قدرة عالية على إعادة صياغة العنف ضمن خطاب عقلاني ومتماسك.

ضمن هذا الإطار، يبرز الأداء التمثيلي لراسل كرو كأحد أكثر عناصر الفيلم إحكاماً، بتقمصه البارع الذي يعتمد على حضور لغوي ونفسي شديد التماسك. فنبرة الصوت، وإيقاع اللكنة الألمانية، والثقة المفرطة في السرد، كلها تعمل كامتداد طبيعي لشخصية تمتلك قدرة عالية على إعادة صياغة الواقع بما يخدم سرديتها. هذا التماسك الأدائي يعزز من خطورة الشخصية، فلا شيء يزعزع الآخرين مثل أن تمنح الخطاب السلطوي قناع العقلانية والاتزان حتى آخر نفس، ويجعل المواجهة النفسية أكثر اختلالاً.

ملاذ الجبناء الأخير

في المحاكمة الثانية والأخيرة، يعتلي النازي هيرمان المنصة بشموخ وكبرياء مستفز، ويقف باتجاه كاميرات وكالات الأنباء، لأخذ اللقطات المصورة. إجابات واثقة، غرور متضخم، شعور باللا أسف، أنا متماسكة حتى النهاية. لقد أصرت القوى العظمى على الاستجواب، وهنا يستكمل المخرج فاندربيلت أسلوبه في التبسيط الدرامي كما بدأه في المشاهد الأولى، عندما أضاف تعديلات طفيفة على الوقائع التاريخية لأغراض السرد السينمائي. الحكم في النهاية معروف، لكن شخصية هيرمان النرجسية استثمرت آخر قطرة من الذكاء العاطفي مع الطبيب بكلمة عتاب: “لقد كنت صديقي”.

تعود بنا النهاية إلى إجابة هيرمان عن سؤال الانتحار: “ملاذ الجبناء الأخير”. النهاية كما قدمها الفيلم مزدوجة للبطلين، وبالطريقة نفسها رغم اختلاف المسافات الزمنية، لكنها تفتح في النهاية سؤالاً نفسياً مقلقاً: هل العدوى هنا رمزية، أم أن الاقتراب الطويل من عقل مهووس بالسيطرة يترك أثراً لا يُمحى؟ الطبيب الذي قضى سنوات في محاولة الفهم، ينتهي إلى تكرار الفعل، كأن المعرفة وحدها لا تكفي للنجاة.

المقولة الختامية والمقتبسة من الفيلسوف كولينجوود: “الدليل الوحيد على ما يمكن للمرء أن يفعله هو ما فعله من قبل”، تعمل كخلاصة تحذيرية من الاعتقاد بأن الشر استثناء. الفيلم، من خلال العلاقة بين طبيب ونازي تتجاوز فكرة معتقل معزول متوحش، بل بنية نفسية قادرة على إعادة إنتاج نفسها كلما توفرت الشروط.

هيرمان لم يكن المريض الوحيد، بل المجتمع بأكمله، والطبيب كان أقربهم إلى السقوط لأنه ظن أن الوعي يحصّنه. ينجح الفيلم في تقديم تجربة مشدودة نفسياً، حتى وهو يتحرك داخل إطار سياسي معروف، لا يُعفيه ذلك من شيء منقوص في عمقه، لكنه يفسر لماذا يظل الاشتباك الأساسي فيه اشتباكاً ذهنياً، لا تاريخياً، ولماذا تبقى المواجهة النفسية هي المساحة التي يحقق فيها العمل أقصى درجات كثافته.

Exit mobile version