افتتح “بينالي ويتني” لعام 2026 أبوابه في متحف ويتني للفن الأمريكي بمدينة نيويورك، ليقدم مجموعة من الأعمال الفنية التي تتناول بعمق العلاقة المتغيرة بين الإنسان والتكنولوجيا. يركز المعرض، الذي يُعد أحد أبرز الفعاليات الفنية في الولايات المتحدة منذ تأسيسه عام 1932، على تداعيات المراقبة الرقمية، جمع البيانات، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على مفهوم الهوية البشرية.
تُظهر الأعمال المعروضة تحولاً في النظرة العامة للتكنولوجيا. فبعد فترة من التفاؤل المرتبط بوعود التقنيات الرقمية بالشفافية والعقلانية، يواجه الجمهور اليوم واقعاً يثير القلق بشأن المراقبة المستمرة واستخراج البيانات البيومترية. يستجيب فنانو البينالي لهذا التحول، مجردين التكنولوجيا من قشرتها اللامعة ليكشفوا عن أبعادها الأكثر تعقيدًا وتحديًا.
من أبرز المشاركات عمل الفنان كوبر جاكوبي بعنوان “إيستيت” (Estate). يتجسد العمل في جسم مستطيل يشبه الكاميرا، يحتوي على شاشة عرض رقمية تسجل الوقت المنقضي منذ وفاة الشخص الذي يدور حوله العمل. على سبيل المثال، يعرض عمل “إيستيت (10 يوليو 2022)” مرور ثلاث سنوات وستة أشهر و206 أيام و10 ساعات منذ وفاة الموضوع. قام جاكوبي بإنشاء هذه الأعمال عن طريق جمع نصوص من حسابات شخصيات إبداعية متوفاة على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم قام بتغذيتها لنموذج ذكاء اصطناعي توليدي. أعيد مزج هذه البيانات، التي جُمِعت دون موافقة، بواسطة الذكاء الاصطناعي وقُدمت بأصوات أصدقاء الفنان. يعكس هذا العمل الممارسات الشائعة لشركات التكنولوجيا الكبرى في استغلال البيانات لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يثير أسئلة أخلاقية حول الخصوصية والاستخدام بعد الوفاة.
وفي سياق متصل، تقدم الفنانة إيزابيل فرانسيس ماكغواير عملاً بعنوان “من أجل الشيطان في أمريكا والشرور الخفية الأخرى: تجارب في النحت العام (الساحرات 1-3)”. تُعرض ثلاث شخصيات معلقة فوق الأرض، مدعومة بقضبان معدنية. تم تصميم هذه الأشكال باستخدام مسوحات طبية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لأجسام بشرية من الداخل. تُبرز هذه التقنية ما يمكن أن تتركه البيانات الرقمية من تشوهات للشكل الخارجي. تستلهم ماكغواير محاكمات سالم للساحرات التي وقعت بين عامي 1692 و1693، لتعرض مشهدًا من الاتهام، وتطرح تساؤلات حول التمييز بين الحقيقي والمزيف في عصر القياس الرقمي.
تستعيد الفنانة غابرييلا رويز استخدام كاميرا المراقبة في عملها النحتي لعام 2026، “هومو ماكيينا” (Homo Machina). العمل عبارة عن آلة مصنوعة من الألياف الزجاجية بلون أخضر، تتضمن شاشات ووجهًا يُظهر تعبيرًا مندهشًا وجنينًا هجينًا. تُعرض لقطات كاميرا مراقبة على الشاشات المدمجة في العمل، مما يسمح للمشاهد برؤية انعكاسه في مرآة المراقبة. يشير هذا العمل إلى دورة التقاط واستهلاك صورة الذات اللانهائية في العصر الرقمي، والتي يمكن أن تؤدي إلى تجريد الإنسان من إنسانيته.
هذه الأعمال الفنية لا تُعرض بمعزل عن الواقع. تتشابك رسائلها مع ظواهر معاصرة مثل سعي بريان جونسون، رائد الأعمال التقني، نحو الخلود من خلال “القرصنة البيولوجية” ونظام “بلوبرينت” (Project Blueprint) الذي يُقدر تكلفته بملايين الدولارات سنويًا. وكذلك حالة “كلافيكولار” (Clavicular) الذي اشتهر بـ “تحسين المظهر” (looksmaxxing) عبر إجراءات مكثفة أثرت على خصوبته. يمثل هؤلاء الأفراد تجسيداً للتداخل بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث يُنظر إلى القياسات البيومترية والعلمية للجسم كوسيلة لتحقيق الكمال والبقاء. ومع ذلك، فإن هذا التوجه نحو التكميم المطلق للذات يثير تناقضات عميقة ويصل إلى حدود العدمية.
بشكل عام، يعكس بينالي ويتني 2026 حالة من القلق المتزايد في الوعي المعاصر حول مستقبل الهوية البشرية في ظل سيطرة التكنولوجيا. يطرح الفنانون رؤى لا تتسم بالبساطة أو النقاء، بل تصور مستقبلاً معقدًا وغير متوقع، حيث تتشابك الحدود بين الواقعي والرقمي بطرق قد تكون مدهشة ومربكة في آن واحد.
