نقابة الأطباء تدق ناقوس الخطر: التوسع في كليات الطب يهدد مستقبل المهنة
خبراء يحذرون من تدهور جودة التعليم الطبي في مصر بسبب التوسع العشوائي في إنشاء الكليات وتدني معايير القبول

دقت نقابة الأطباء المصرية ناقوس الخطر محذرةً من أن مستقبل مهنة الطب في البلاد بات على المحك. جاء ذلك خلال ورشة عمل موسعة كشفت عن أن التوسع غير المدروس في إنشاء كليات الطب وتخفيض معايير القبول يمثل تهديدًا مباشرًا لجودة الرعاية الصحية وسمعة الطبيب المصري.
قنبلة موقوتة في نظام التعليم الطبي
في تحرك يعكس قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الطبية، نظمت النقابة العامة للأطباء، برئاسة الدكتور أسامة عبد الحي، ورشة عمل حاسمة جمعت نخبة من الخبراء والأكاديميين. هدف اللقاء إلى مناقشة ما وصفه المشاركون بـ “التوسع العشوائي” في إنشاء كليات الطب، وهي ظاهرة تتزامن مع تراجع ملحوظ في الحدود الدنيا للقبول، مما يضع منظومة التعليم الطبي في مصر أمام تحدٍ وجودي.
كان الإجماع بين المشاركين واضحًا وقاطعًا: هذا النمو غير المنضبط يمثل خطرًا حقيقيًا على جودة التعليم الطبي ومستقبل المهنة بأكملها. وأكدوا أن افتتاح كليات جديدة دون توفير الركائز الأساسية، وعلى رأسها المستشفيات الجامعية اللازمة للتدريب الإكلينيكي، هو خطأ فادح يهدد كفاءة الخريجين ويضر بسمعة الطب المصري التي بنيت على مدار عقود.
معايير القبول.. بين الكم والكيف
سلطت المناقشات الضوء على اختلال خطير في التوازن، حيث تطغى نزعة التوسع الكمي على ضرورة الحفاظ على الجودة. وحذر الخبراء من أن تخفيض الحد الأدنى للقبول في كليات الطب ينعكس مباشرة على كفاءة الطبيب المصري ومستوى رعاية المريض، في وقت تحتاج فيه المنظومة الصحية إلى تعزيز الجودة لا إغراقها بأعداد لا تستوعبها إمكانيات التدريب المتاحة.
برزت نقطة جوهرية تتعلق بالفجوة بين أعداد المقبولين وفرص تدريب الأطباء المتاحة بعد التخرج. وشدد الخبراء على أن الطالب الذي لا يمكن ضمان فرصة تدريب حقيقية له لا يجب قبوله من الأساس، مؤكدين أن أي توسع في القبول دون تأمين تلك الفرص يخلق خطرًا مزدوجًا على المريض وعلى سمعة المهنة.
مطالب عاجلة لوقف التدهور
خلصت الورشة إلى حزمة من المطالب العاجلة، في مقدمتها الدعوة إلى الوقف الفوري لمنح تراخيص إنشاء أي كليات طب جديدة. كما طالب المشاركون بإعادة تقييم شاملة للكليات القائمة للتأكد من استيفائها معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي، في ظل مخاوف من أن المسار الحالي يهدد المنظومة بأكملها.
من جهته، لخص الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، المبدأ الأساسي للإصلاح، مؤكدًا أن أعداد المقبولين يجب أن ترتبط بقدرة النظام الصحي على توفير فرص التدريب، وليس فقط باحتياجات سوق العمل. وأوضح أن الطبيب الكفء يُصنع في ساحات التدريب العملي، وأن قبول طلاب دون هذا الضمان هو مغامرة بصحة المصريين.
وكشف عبد الحي عن واقع مقلق، حيث قامت كليات قائمة بمضاعفة أعداد المقبولين لديها خلال السنوات الأخيرة دون أن يصاحب ذلك أي توسع يذكر في أعداد الأسرة أو أماكن التدريب الإكلينيكي. فالكلية التي كانت طاقتها ألف طالب أصبحت تستقبل ثلاثة آلاف، مما يستدعي مراجعة فورية لسياسات القبول.
رؤى الخبراء.. وخارطة طريق للإنقاذ
قدم الدكتور أسامة حمدي، أستاذ بجامعة هارفارد، رؤية دولية، محددًا المقومات الأساسية للطبيب الناجح في:
- راتب مجزٍ.
- فرصة تدريب وتعليم حقيقية.
- بيئة عمل صحية وآمنة.
واعتبر أنه من غير المنطقي قبول طلاب جدد في كليات الطب دون توفير هذه الأساسيات.
واقترح الدكتور فتحي خضير، عميد طب القاهرة الأسبق، تشكيل “تحالف عاجل” يضم نقابة الأطباء والمجلس الصحي المصري والمجلس الأعلى للجامعات، لوضع خطة وطنية متكاملة تضمن تنظيم القبول وتوفير التدريب ورفع كفاءة التعليم الطبي.
وتناول الدكتور مصطفى سليم، أستاذ بطب قصر العيني، الفوارق في معايير القبول، مقترحًا ألا يقل الحد الأدنى للكليات الخاصة عن نظيره في الحكومية بأكثر من 5 إلى 10%. وحذر بشدة من ممارسات بعض فروع الجامعات الدولية التي تقبل طلابًا بمجاميع متدنية تصل إلى 50% بحجة “اختبارات القدرات”، واصفًا إياها بالممارسة المرفوضة التي تثير شكوكًا جدية حول أهلية خريجيها.
نحو منظومة موحدة ومعايير صارمة
دعا الدكتور ياسر حلمي، عضو مجلس النقابة، إلى أن تقود النقابة إعداد مقترح وطني متكامل وقابل للتنفيذ يُرفع للقيادة السياسية. يرتكز المقترح على توحيد التشريعات ومنح المجلس الصحي المصري صلاحيات تنظيمية واضحة على غرار المجلس الطبي العام البريطاني (GMC)، حتى لو تطلب الأمر تعديلًا تشريعيًا.
يرتكز المقترح على توحيد معايير القبول والتدريب في جميع كليات الطب الحكومية والأهلية والخاصة، لضمان العدالة والجودة. كما يهدف إلى تفعيل منظومة اعتماد صارمة وتوحيد برامج التدريب المهني للتخصصات الإكلينيكية لضمان مستوى متكافئ من الكفاءة لجميع الخريجين.
وفي ختام المداخلات، شددت الدكتورة إيمان الشال، وكيلة كلية طب بنات الأزهر، على أهمية الاعتماد الدوري، وطرحت فكرة إنشاء بنك أسئلة وطني موحد لتوحيد معايير التقييم بين الجامعات، كخطوة أساسية لضمان أن كل خريج يلبي الحد الأدنى المطلوب من الكفاءة العلمية والعملية في مجال التعليم الطبي.









