نزوح الثروات من بريطانيا: كيف أجبر مليارديرات هاربون الحكومة على التراجع؟
بعد إلغاء نظام "غير المقيمين" الضريبي، تحاول وزيرة المالية راشيل ريفز بهدوء ترميم علاقة بريطانيا مع النخبة العالمية عبر تعديلات قد تكون جاءت متأخرة.

غادر أفراد يديرون ثروات لا تقل عن 120 مليار دولار المملكة المتحدة، وهو رقم لا يعكس فقط حركة رأس المال، بل يمثل نتيجة مباشرة لتحول جذري في السياسة الضريبية البريطانية. هذا النزوح، الذي شمل مؤسسي شركات تكنولوجية كبرى وورثة ثروات أوروبية عريقة، أجبر وزارة الخزانة على إعادة تقييم تداعيات قراراتها، مما يكشف عن التوازن الدقيق بين تحقيق العدالة الضريبية والحفاظ على جاذبية البلاد لرأس المال العالمي.
كان قرار حكومة حزب العمال في ميزانيتها الأولى بإلغاء نظام “غير المقيمين لأغراض ضريبية” (non-dom)، الذي يعود تاريخه إلى عام 1799، بمثابة صدمة للنخبة المالية. هذا النظام كان يسمح للمقيمين الأثرياء بإعفاء أصولهم الخارجية من الضرائب البريطانية لمدة تصل إلى 15 عامًا، مقابل رسوم سنوية. أما النظام الجديد، الذي يستند إلى الإقامة لمدة أربع سنوات فقط، فقد قلص هذه الميزة بشكل حاد، مما دفع الكثيرين إلى استنتاج أن بريطانيا لم تعد وجهة مستدامة لثرواتهم على المدى الطويل.

1. ضريبة الميراث بنسبة 40%: نقطة الانهيار
لم يكن تقليص مدة الإعفاء هو العامل الوحيد، بل كان قرار إخضاع الأصول العالمية لضريبة الميراث البريطانية، التي تصل إلى 40%، هو القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للكثيرين. بموجب القواعد الجديدة، وبعد إقامة لمدة عشر سنوات، تصبح الثروة العالمية للفرد، بما في ذلك الأصول المحتفظ بها في صناديق استئمانية خارجية، خاضعة لواحد من أعلى معدلات ضرائب الميراث في العالم المتقدم. هذه الخطوة، التي تجاوزت مقترحات حزب المحافظين السابقة، أدت إلى تسريع وتيرة المغادرة بشكل ملحوظ، حيث سعى الأثرياء إلى حماية ثروات عائلاتهم قبل سريان القانون هذا العام.
2. تراجع تكتيكي: محاولة لاحتواء الضرر
في مواجهة هذا الواقع، تضمنت ميزانية وزيرة الخزانة راشيل ريفز الأخيرة ما يمكن اعتباره تراجعًا جزئيًا ومحاولة لاحتواء الأضرار. تم الإعلان عن حد أقصى يبلغ 5 ملايين جنيه إسترليني لضريبة الميراث التي يمكن فرضها على بعض هياكل الصناديق الاستئمانية، مع تطبيق هذا الإجراء بأثر رجعي. يرى مستشارو الثروات أن هذه الخطوة هي إقرار ضمني بأن السياسة الأولية كانت مبالغًا فيها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه التعديلات كافية لإعادة من غادروا بالفعل، أم أنها مجرد محاولة يائسة لمنع المزيد من النزيف؟

3. المنافسة الدولية: إيطاليا واليونان تستقطبان رأس المال
يزداد التحدي الذي تواجهه بريطانيا حدة في ظل وجود بدائل مغرية. ففي الوقت الذي شددت فيه المملكة المتحدة قبضتها الضريبية، قدمت دول أوروبية مثل إيطاليا واليونان أنظمة ضريبية تفضيلية مصممة خصيصًا لجذب الأثرياء، وهي تشبه إلى حد كبير نظام “غير المقيمين” البريطاني السابق ولكن بمدد أطول. هذا التباين في السياسات حوّل المنافسة على رأس المال العالمي إلى ساحة معركة مباشرة، حيث تبدو بريطانيا الآن أقل جاذبية مقارنة بجيرانها. النظام البريطاني الجديد، بمدته القصيرة البالغة أربع سنوات، يجعل البلاد وجهة مؤقتة وليست مستقراً طويل الأمد، وهو ما يتعارض مع احتياجات العائلات الثرية التي تخطط لتعليم أبنائها واستقرارها لسنوات.
تراهن حكومة كير ستارمر على أن هذه الإصلاحات ستدر أكثر من 30 مليار جنيه إسترليني على الخزينة، لكن العديد من مراكز الأبحاث، مثل معهد الدراسات المالية (IFS)، تشكك في هذه التقديرات، محذرة من أن التأثير السلبي على النمو والوظائف قد يفوق الإيرادات المتوقعة. لقد فات الأوان بالفعل بالنسبة لأسماء بارزة مثل غيوم بوساز (Checkout.com) وناصف ساويرس، الذين نقلوا إقامتهم الضريبية بالفعل. وكما لخص أحد المصرفيين الوضع: “شعر الكثير من الأثرياء بأنهم غير مرحب بهم”.

الآن، ومع بدء مشاورات حول تأشيرات جديدة للمستثمرين ومسارات سريعة للإقامة لذوي الدخول المرتفعة، تحاول الحكومة تغيير السرد. لكن الرسالة المتضاربة – بين رفع الضرائب من جهة وتقديم حوافز جديدة من جهة أخرى – تترك النخبة العالمية في حيرة. لقد وُضعت القدرة التنافسية لبريطانيا على المحك، والمطلوب الآن ليس مجرد تعديلات طفيفة، بل تغيير جذري في النهج لإثبات أن المملكة المتحدة لا تزال منفتحة على الثروة والاستثمار.









