منتدى مصر للإعلام 2030: سباق البقاء في مواجهة عواصف الذكاء الاصطناعي
بمشاركة 2500 صحفي، القاهرة تبحث عن مستقبل صناعة الإعلام في عصر الخوارزميات والتحولات الجذرية.

في قلب القاهرة، انطلقت فعاليات النسخة الثالثة من «منتدى مصر للإعلام»، جامِعًا أكثر من 2500 صحفي وإعلامي من مصر والمنطقة العربية والعالم، تحت عنوان يحمل في طياته قلقًا وجوديًا: «2030.. من سيستمر؟». لم يعد المنتدى مجرد حدث سنوي، بل تحول إلى منصة رئيسية لاستشراف مستقبل صناعة الإعلام التي تقف على أعتاب تحولات جذرية تفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
تحديات وجودية على طاولة النقاش
افتتح طارق نور، رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الجلسات بكلمة ربطت بين عراقة التدوين المصري القديم وفوضى المعلومات في العصر الرقمي. لكن تحليله تجاوز السرد التاريخي ليلامس جوهر الأزمة الحالية، حيث أشار إلى أن السيطرة على المشهد الإعلامي تنتقل بسرعة من أيدي أصحاب المؤسسات التقليدية إلى خوارزميات المنصات الرقمية، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل توجيه الرأي العام.
تحول موازين القوى الإعلامية
لم يتردد «نور» في تحديد ملامح هذا التحول، معتبرًا أن القوة الحقيقية باتت في يد منصات مثل «تيك توك» و«فيسبوك»، التي تحتضن مواهب إبداعية قد لا تجد طريقها إلى الشاشات التقليدية. هذا الاعتراف من قمة هرم إعلامي مصري كبير يعكس إدراكًا متزايدًا بأن نماذج العمل القديمة لم تعد كافية، وأن «مصلحة الوطن»، التي شدد عليها، تحتاج إلى أدوات جديدة للتأثير والإقناع في بيئة إعلامية شديدة التنافسية واللامركزية.
الذكاء الاصطناعي.. شريك أم منافس؟
طرحت نهى النحاس، رئيسة منتدى مصر للإعلام، رؤية مكملة حين وصفت المشهد بأنه «إعادة صياغة جذرية» لصناعة الإعلام. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت لاعبًا أساسيًا يهدد البعض ويحفز البعض الآخر. وبحسب الدكتور أيمن الصياد، الخبير الإعلامي والمحلل السياسي، فإن «المعركة لم تعد حول إنتاج المحتوى، بل حول كسب ثقة الجمهور في عصر يمكن فيه للذكاء الاصطناعي توليد الأخبار والتحليلات». ويضيف الصياد: «المؤسسات التي ستستمر هي تلك التي ستحافظ على عنصر التحقق والمصداقية والعمق البشري الذي لا تستطيع الخوارزميات محاكاته بعد».
يشير مراقبون إلى أن النقاشات الدائرة في المنتدى لا تقتصر على الجانب التقني، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والسياسية. فقدرة المؤسسات الإعلامية العربية على الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة وتدريب كوادرها تظل محدودة مقارنة بالعمالقة الدوليين، مما قد يخلق فجوة معرفية وتقنية يصعب ردمها، ويهدد بتهميش المحتوى المحلي في مقابل المحتوى العالمي المدعوم بالخوارزميات.
في ختام المطاف، يبدو أن «منتدى مصر للإعلام» هذا العام ليس مجرد تجمع للحوار، بل هو بمثابة جرس إنذار لصناعة بأكملها. الإجابة عن سؤال «من سيستمر؟» لن تكون في امتلاك أحدث التقنيات فحسب، بل في القدرة على بناء نموذج إعلامي جديد يوازن بين سرعة العصر الرقمي ورصانة العمل الصحفي، ويقدم محتوى هادفًا وجذابًا يستطيع أن ينافس في ساحة أصبحت أكثر ازدحامًا وتعقيدًا من أي وقت مضى.









