عرب وعالم

مفاوضات شرم الشيخ.. «خطة ترامب» على المحك بين مطالب حماس و«لا» إسرائيل

على أرض السلام، شرم الشيخ، انطلق ماراثون تفاوضي جديد وشديد التعقيد، حيث تجلس إسرائيل وحركة حماس على طاولة غير مباشرة، تفصل بينهما جدران لكن يجمعهما هدف واحد معلن: إنهاء الحرب في غزة. الأنظار تتجه نحو المرحلة الأولى من «خطة ترامب»، وهي خطة تبدو كسباق ضد الزمن، إذ تضع مهلة 72 ساعة فقط لإطلاق سراح كافة الرهائن الإسرائيليين مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية.

الوفد الإسرائيلي، الذي يضم شخصيات أمنية وسياسية رفيعة من الشاباك والموساد والجيش، يعكس حجم الرهان وثقل الملف. ورغم أن التفاصيل المعلنة تبدو إجرائية، إلا أن الشيطان يكمن فيها، فكل بند فني يخفي وراءه شروطًا سياسية قد تنسف المحادثات برمتها قبل أن تبدأ مرحلتها الثانية بوصول المبعوثين الأمريكيين، وعلى رأسهم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب.

عقبات المرحلة الأولى.. تفاصيل فنية تخفي خلافات استراتيجية

تتركز الجولة الأولى على الجانب الإنساني والأمني، لكن مطالب حماس وضعت المفاوضات أمام حقل ألغام حقيقي. فالحركة لا تكتفِ بالمهلة الزمنية المحددة، بل تطالب بتمديدها لجمع رفات الرهائن القتلى، وهو مطلب قد تبدي واشنطن مرونة تجاهه. لكن الخلاف الأعمق يتمثل في طلب الحركة توسيع نطاق الانسحاب الإسرائيلي إلى ما هو أبعد من «الخط الأصفر» المرسوم في خرائط الخطة، لضمان حرية الحركة في تجميع الرهائن.

لكن القنبلة الحقيقية التي فجرتها حماس، بحسب الإعلام الإسرائيلي، هي مطلبها بالإفراج عن عناصر وحدة «النخبة» الذين شاركوا في هجوم 7 أكتوبر. هذه النقطة تمثل خطًا أحمرًا قاطعًا بالنسبة لإسرائيل، التي ترفض بشكل بات الإفراج عمن تصفهم بـ«القتلة». هذا المطلب وحده كفيل بتعقيد أي تقدم، ويضع حكومة نتنياهو في مواجهة مباشرة مع ضغوط الشارع وأهالي الرهائن.

ولم تتوقف قائمة الشروط عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل إصرار حماس على إدراج جميع الأسرى المحكومين بالمؤبد، وعلى رأسهم أسماء «ثقيلة» مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات، وهو ما يتجاوز الأعداد المتفق عليها في الخطة المبدئية. هذه المطالب ليست مجرد تفاصيل تقنية حول عملية التبادل عبر الصليب الأحمر الدولي، بل هي جوهر الصراع السياسي الذي يعيد تشكيل موازين القوى.

ماذا عن «اليوم التالي»؟.. تحديات المرحلة الثانية

إذا نجحت الأطراف في تجاوز عقبات المرحلة الأولى، فإن المرحلة الثانية، التي يُنتظر أن تبدأ الأربعاء، ستفتح الباب على مصراعيه أمام القضايا السياسية الأكثر حساسية: مستقبل إدارة قطاع غزة. خطة ترامب تقترح حلاً مبتكرًا يتجاوز السلطة الفلسطينية وحماس معًا، عبر تشكيل آلية إقليمية دولية تشرف عليها قوات أمن عربية، وهو تصور يهدف إلى منع عودة حماس للحكم وتجنب تورط إسرائيل في احتلال طويل الأمد.

لكن خبراء ومحللين إسرائيليين يشككون في إمكانية محو حماس كفكرة وحركة متجذرة في النسيج الاجتماعي الغزي. فالقضاء التام عليها، كما يقولون، يتطلب احتلالاً طويلًا، وهو خيار يرفضه نتنياهو وترامب على حد سواء. هذا يعني أن أي ترتيبات لـ«اليوم التالي» ستظل هشة ما لم تعالج الجذور العميقة للصراع.

في النهاية، تبدو مفاوضات شرم الشيخ سباقًا ثلاثي الأبعاد: سباق إنساني لإنقاذ الرهائن، وسباق سياسي بين شروط حماس وخطوط إسرائيل الحمراء، وسباق شخصي للرئيس ترامب الذي يسعى، كما يتردد، لتحقيق إنجاز دبلوماسي كبير قبل إعلان الفائز بـجائزة نوبل للسلام. الأيام القليلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الجولة مجرد محطة جديدة في مسلسل المفاوضات الطويل، أم أنها بداية حقيقية لنهاية الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *