اقتصاد

مصر على حبل القوى العظمى: دبلوماسية التوازنات من رمسيس الثاني إلى عالم متعدد الأقطاب

كيف تستخدم القاهرة إرثها التاريخي وثقلها الجيوسياسي للعب دور محوري بين أمريكا والصين وروسيا؟

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

مع استعداد مصر لافتتاح المتحف المصري الكبير، الذي بلغت تكلفته مليار دولار، لا يقف العالم فقط أمام كنوز فرعونية لا تقدر بثمن، بل أمام استعراض مدروس للقوة الناعمة وتجليات السياسة الخارجية المصرية المعاصرة. ففي بهو المتحف، سيستقبل تمثال الملك رمسيس الثاني، أعظم فراعنة الدولة الحديثة، كبار قادة العالم، في مشهد يربط بين عظمة الماضي وطموحات الحاضر.

رمزية التاريخ في خدمة الحاضر

إن اختيار تمثال رمسيس الثاني، صاحب أول معاهدة سلام موثقة في التاريخ مع الحيثيين، ليكون في صدارة المشهد ليس مصادفة. فهذا الإرث الدبلوماسي العريق، الذي تُعرض نسخة من معاهدته في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، يمثل اليوم حجر الزاوية في استراتيجية القاهرة التي تسعى لإعادة تموضعها كقوة إقليمية مؤثرة في عالم مضطرب.

يأتي افتتاح المتحف في توقيت دقيق، بعد أيام من استضافة شرم الشيخ قمة عالمية دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي بحضور نظيره الأمريكي دونالد ترامب، والتي ركزت على خطة السلام في غزة. هذا التزامن يعكس رغبة مصر في توظيف ثقلها الثقافي والتاريخي لتعزيز دورها كشريك لا غنى عنه في معادلات الاستقرار الإقليمي والدولي.

فن الممكن: دبلوماسية التوازنات

تتبنى السياسة الخارجية المصرية نهجاً прагматиاً يقوم على مبدأ “الصداقة مع الجميع”، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها السكاني. فهذا النهج يتيح لها بناء علاقات متينة مع قوى عالمية متنافسة؛ من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والصين، بالإضافة إلى الحفاظ على روابط استراتيجية مع دول الخليج. وهو ما يعتبره محللون نموذجاً للدول متوسطة القوة التي تسعى لتعظيم مصالحها في عصر التجاذبات الجيوسياسية.

هذه الاستراتيجية ليست مجرد تكتيك سياسي، بل هي ضرورة حتمتها دروس الماضي القريب وتحديات الحاضر الملحة. فتجربة “الربيع العربي” عام 2011، حين تخلت واشنطن عن حليفها حسني مبارك، رسخت قناعة لدى صانع القرار المصري بأن الاعتماد على شريك واحد هو رهان محفوف بالمخاطر. لذلك، أصبح تنويع الشراكات الدولية سياسة دولة تهدف إلى تأمين المصالح الوطنية وحماية سيادة القرار.

شراكات متعددة الأقطاب

تتجلى هذه السياسة بوضوح على أرض الواقع. فبينما تبني روسيا أول محطة طاقة نووية في مصر، وتُعد أكبر مورد للقمح، تتوسع الصين في استثماراتها بقطاعات التصنيع والطاقة الخضراء في محور قناة السويس وتساهم في بناء العاصمة الإدارية الجديدة. وفي الوقت نفسه، تضخ الإمارات استثمارات ضخمة بقيمة 35 مليار دولار لتطوير مدينة رأس الحكمة، في أكبر صفقة استثمار مباشر بتاريخ البلاد.

على الصعيد الإقليمي، نجحت القاهرة في إعادة بناء علاقاتها مع خصوم سابقين مثل تركيا وإيران، مع الحفاظ على تحالفاتها القوية مع اليونان والسعودية والإمارات. هذا التوازن الدقيق مكّن مصر من لعب دور الوسيط المحوري في أزمات المنطقة، وأبرزها الحرب في غزة، وهو ما عزز من أهميتها الاستراتيجية ومنحها زخماً دبلوماسياً واقتصادياً تمثل في حزمة إنقاذ بقيمة 57 مليار دولار.

تحديات على الطريق

رغم نجاحها الظاهري، لا تخلو دبلوماسية التوازنات من تحديات جسيمة. فالأزمة الاقتصادية الداخلية، التي فاقمتها الزيادة السكانية وتداعيات الحرب الأوكرانية، تضع ضغوطاً مستمرة على الدولة. كما أن هناك ملفات شائكة قد تختبر قدرة القاهرة على المناورة، أبرزها النزاع المستمر مع إثيوبيا حول سد النهضة، الذي يمثل تهديداً وجودياً لأمن مصر المائي.

ويمثل الموقف من الحرب في غزة اختباراً آخر، حيث تسير مصر على حبل مشدود بين الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، التي تعد ركيزة للتعاون الأمني، وبين التجاوب مع الرأي العام الداخلي والغضب الشعبي. كما أن التقارب مع الصين وروسيا، خاصة في مجالات حساسة مثل تكنولوجيا الملاحة عبر نظام “بايدو” أو شراء أسلحة متطورة، قد يثير حفيظة واشنطن ويضع القاهرة أمام خيارات صعبة في المستقبل.

في النهاية، بينما يستعد العالم لمشاهدة كنوز توت عنخ آمون في مقرها الجديد، تقدم مصر رسالة مفادها أن أعظم كنوزها ليس فقط ما يكمن تحت رمالها، بل قدرتها على استلهام حكمة التاريخ للتنقل ببراعة في عالم معقد، محولةً ثقلها الحضاري إلى أداة فعالة في صياغة حاضرها ومستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *