مصر تقود نقاشًا عالميًا حول دور الأجهزة العليا للرقابة في مواجهة الأزمات المالية
من شرم الشيخ.. خبراء دوليون يبحثون آليات حماية أموال الشعوب خلال الاضطرابات الاقتصادية

في قلب مدينة شرم الشيخ، انطلقت نقاشات دولية رفيعة المستوى ضمن فعاليات المؤتمر الخامس والعشرين للمنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الإنتوساي، حيث تصدرت قضية دور هذه الأجهزة في مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية أجندة الحوار، في حدث يُعقد تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.
تطور الدور الرقابي
الجلسة الفنية الأولى، التي حملت عنوان «دور الأجهزة العليا للرقابة في مراجعة البنوك المركزية والأنشطة الحكومية خلال الأزمات»، شهدت حضورًا دوليًا لافتًا، بمشاركة خبراء من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومحكمة المحاسبين الأوروبية، إلى جانب قيادات الجهاز المركزي للمحاسبات المصري. وقد حدد المستشار محمد الفيصل يوسف، رئيس الجهاز ورئيس المنظمة، ملامح المرحلة الجديدة للدور الرقابي.
وأكد الفيصل أن الأزمات المالية والاقتصادية لم تعد مجرد تحديات عابرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدول على إدارة مواردها العامة بكفاءة وشفافية. وشدد على أن دور الأجهزة العليا للرقابة تجاوز مجرد مراجعة الأرقام، ليصبح معنيًا بتقييم فعالية التدخلات الحكومية، ومدى مساهمتها في تحقيق الاستقرار وحماية الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.
وطرح رئيس «الإنتوساي» تساؤلات جوهرية حول مصير الأموال الحكومية الضخمة التي تُضخ في أوقات الأزمات، متسائلًا عما إذا كانت تصل بالفعل إلى مستحقيها أم تتسرب في مسارات أخرى. وأشار إلى أن الرقابة الحديثة باتت تستخدم أدوات التحليل الاقتصادي والذكاء الاصطناعي لتقديم رؤية شاملة تساعد صانع القرار على اتخاذ سياسات مالية ونقدية أكثر دقة وفاعلية.
التجربة المصرية.. نموذج للتكامل
يعكس الطرح المصري تحولًا استراتيجيًا في فلسفة الرقابة، حيث لم تعد مجرد أداة لكشف المخالفات بعد وقوعها، بل أصبحت شريكًا استباقيًا في تقييم السياسات الاقتصادية. فالتجربة المصرية، التي استعرضها المحاسب محمد عبد الغني نائب رئيس الجهاز، تقدم نموذجًا عمليًا للتكامل بين السياسة النقدية التي يديرها البنك المركزي، والسياسة المالية التي تتولاها الحكومة، وهو تكامل تم إرساؤه تشريعيًا عبر إنشاء مجلس تنسيقي بموجب قانون البنك المركزي.
وتجلّى هذا التنسيق في حزم اجتماعية ومالية ضخمة، مثل مبادرة «حياة كريمة» بإنفاق بلغ 1.4 تريليون جنيه، وبرنامج «تكافل وكرامة» الذي خصص 41 مليار جنيه للأسر الفقيرة، وحزمة تحفيز اقتصادي بقيمة 100 مليار جنيه لمواجهة تداعيات جائحة كورونا. وقد تولى الجهاز المركزي للمحاسبات مراجعة هذه المبادرات، وقدم توصيات عملية لتعزيز كفاءة توجيه المال العام.
ولم تقتصر الرقابة على الإنفاق الحكومي المباشر، بل امتدت لتشمل مبادرات البنك المركزي المصري نفسه، مثل تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة ودعم القطاعات المتضررة. ويبرز هنا التوازن الدقيق الذي تتبناه مصر، والذي يضمن ممارسة الرقابة الموضوعية على الموارد العامة مع احترام كامل لاستقلالية القرار النقدي، وهو ما يمثل جوهر الرسالة التي تسعى مصر لترسيخها خلال رئاستها للمنظمة.
نحو آليات رقابية معززة
في ختام النقاشات، أجمع المتحدثون على أن تصاعد المخاطر المرتبطة بالأزمات يتطلب من الأجهزة العليا للرقابة تطويرًا مستمرًا لأدواتها ومنهجياتها. وأصبحت الحاجة ملحة لتعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات لتحديث الآليات الرقابية، بما يضمن جودة التقارير ويعزز من الشفافية والمساءلة، ويرسخ في النهاية ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات.









