في لفتة إنسانية تعكس عمق الروابط الأخوية، وجهت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية شكرًا خاصًا لجمهورية مصر العربية ووزارة التربية والتعليم المصرية، لاستيعابها عددًا كبيرًا من الطلبة الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مصر بسبب الحرب الدائرة في غزة. هذا الاستقبال، الذي يبعث على الأمل في خضم اليأس، لا يمثل مجرد حل مؤقت، بل يؤكد على دور مصر المحوري في دعم صمود الشعب الفلسطيني، ويُظهر التزامًا إنسانيًا وأخلاقيًا تجاه أزمة تتجاوز الحدود.
كارثة تعليمية
لكن المشهد التعليمي في غزة، كما وصفه المستشار الأول في مندوبية فلسطين لدى جامعة الدول العربية، رزق الزعنين، بات “كارثيًا” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فخلال افتتاح الدورة 110 للجنة البرامج التعليمية الموجهة للطلبة في الأراضي العربية المحتلة، أشار الزعنين إلى أن العدوان الإسرائيلي استهدف المدارس بشكل مباشر، مما أدى إلى تدمير معظم المدارس الحكومية وتلك التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بالكامل. تدمير البنية التحتية التعليمية ليس مجرد خسارة مادية، بل هو ضربة قاصمة لمستقبل جيل بأكمله.
هوية مستهدفة
تتجاوز الأزمة مجرد تدمير البنى التحتية، لتلامس جوهر الهوية الفلسطينية. حذرت الدكتورة راندا صلاح، مدير عام الخدمات المركزية بوزارة التربية والتعليم الفلسطينية، من محاولات الاحتلال الإسرائيلي طمس الهوية الفلسطينية عبر استهداف العملية التعليمية. وصفت الدكتورة صلاح ما حدث في غزة بأنه “إبادة جماعية للعملية التعليمية”، حيث حُرم أكثر من 300 ألف طفل فلسطيني من حقهم الأساسي في التعليم، في مشهد مؤلم يكشف عن أبعاد أعمق للاستهداف تتجاوز العمليات العسكرية المعتادة.
تأثير مالي
تتفاقم هذه الأزمة مع تدمير نحو 90% من مدارس الأونروا في القطاع، مما أثر على قرابة 300 ألف طالب، بحسب الدكتور عباس صبيحي، كبير مستشاري التعليم في الوكالة. يضاف إلى ذلك، التأثير المالي المدمر لـ قرصنة أموال السلطة الفلسطينية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما فاقم من مشاكل التعليم وزاد من صعوبة توفير الموارد اللازمة لاستمرارية العملية التعليمية. هذا الارتباط بين الضغط المالي وتدمير التعليم يوضح استراتيجية شاملة لإضعاف المجتمع الفلسطيني.
دعوات عربية
وفي ظل هذه التحديات الجسيمة، ارتفعت الأصوات خلال الدورة 110 للجنة البرامج التعليمية، مؤكدة على ضرورة تكثيف الجهود العربية والدولية لدعم التعليم الفلسطيني. شدد المشاركون على أهمية تعزيز الدعم المالي والسياسي للأونروا والهيئات التعليمية الفلسطينية لضمان استمرارية التعليم، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن دعم التعليم الفلسطيني ليس خيارًا، بل هو ضرورة ملحة للحفاظ على مستقبل الأجيال القادمة.
بناء المستقبل
وراء كل رقم وإحصائية، هناك قصة طفل حُرم من مستقبله، وعائلة تكافح لتوفر لأبنائها بصيص أمل. التعليم في فلسطين لم يكن يومًا مجرد تلقين للمعلومات، بل هو حصن الهوية، ورافعة الصمود، وأداة بناء المستقبل في وجه كل محاولات الطمس والتهميش. إن استمرارية العملية التعليمية، بدعم عربي ودولي، ليست فقط ضرورة إنسانية، بل هي استثمار في السلام والاستقرار الإقليمي، وخطوة أساسية نحو تمكين جيل قادر على إعادة بناء ما دمره العدوان.
يبقى التعليم الفلسطيني في قلب المعركة من أجل البقاء والهوية. تؤكد الدكتورة جيلان شرف، المسؤولة في معهد البحوث والدراسات العربية، أن التعليم في فلسطين حق أساسي للطلاب وعنصر مهم في الحفاظ على هويتهم، مشددة على ضرورة تعزيز الشراكات بين الدول العربية والدولية لتطوير برامج تعليمية تناسب الظروف الحالية. إن التحدي كبير، لكن الإرادة الفلسطينية، مدعومة بالجهود العربية والدولية، تظل مصممة على حماية هذا الحق المقدس، مهما كانت التضحيات.
