فن

مسرح العرائس في مصر: صرخة إبداع بين شغف الفنانين وتحديات الدعم

مسرح العرائس في مصر: صرخة إبداع بين شغف الفنانين وتحديات الدعم

على خشبة الواقع، بعيدًا عن خيوط الماريونيت وأضواء المسرح، أسدل مهرجان القاهرة لمسرح العرائس في دورته الأولى الستار على نقاشاته، لكنه فتح الباب على مصراعيه أمام قضية وجودية: كيف يمكن لفن عريق أن ينجو ويزدهر؟ المائدة المستديرة الأخيرة، التي حملت عنوان «فن العرائس كجسر بين الإبداع التشكيلي والجاذبية الجماهيرية»، لم تكن مجرد ندوة، بل كانت أشبه بصرخة جماعية أطلقها الأكاديميون والفنانون لإنقاذ هذا الفن من التهميش.

جذور أكاديمية وتراث شعبي.. البحث عن هوية

في قلب النقاش، أكدت الدكتورة أمنية أحمد يحيى، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة، أن فن العرائس ليس مجرد تسلية، بل هو علم متكامل تتشابك فيه خيوط الديكور والنحت والأزياء. وأشارت إلى أن العروسة ليست قطعة خشبية، بل هي أداة تربوية فعالة تشكل وعي الأطفال، داعيةً إلى تحويل الشخصيات المحبوبة إلى منتجات ملموسة في أيادي الصغار، لتبقى رسالتها حية في وجدانهم.

من جانبه، غاص الدكتور طارق مهران، عميد المعهد العالي لفنون الطفل، في أعماق التراث المصري، موضحًا كيف يمكن للألحان الشعبية الأصيلة أن تكون المادة الخام لموسيقى الأطفال، مستلهمًا تجربة الموسيقار العالمي «بيلا بارتوك». واعتبر مهران أن التعامل مع فنون الطفل هو قضية «أمن قومي»، فإما أن نحافظ على هويتنا من خلاله، أو نتركه فريسة للتغريب.

صورة من أحد عروض فن العرائس التي تم تقديمها خلال المهرجان.

رحلة فنان.. من الواحات إلى لندن

جسّد مصمم العرائس محمد فوزي بكار معاناة وشغف الفنان المصري. روى كيف انتقل من كونه فنانًا تشكيليًا إلى عالم العرائس الساحر، مكتشفًا أن العروسة عمل فني يمتلك روحًا قبل أن تُضاف إليه الحركة. تحدث بكار عن تجربته في إحياء «عرائس المنضدة» المنسية في العالم العربي، وعن رحلته إلى بريطانيا التي كشفت له عن الفارق الهائل في صناعة العرائس، حيث الاهتمام براحة الممثل داخل العروسة يصل إلى حد تركيب تكييف داخلي له.

قصة بكار الذي يمول شغفه ذاتيًا، مسافرًا إلى تركيا لحضور ورش عمل، هي شهادة حية على أن الموهبة المصرية قادرة على الوصول للعالمية إذا ما وجدت البيئة الحاضنة. وهو ما علق عليه الدكتور مهران قائلًا: «حينما يتم وضع المصري في مكانه الصحيح، سيكون من أفضل النماذج بالعالم».

مصمم العرائس محمد فوزي بكار يتحدث عن تجربته في صناعة العرائس.

نداء أخير.. هل من مستجيب؟

تلاقت كل الآراء عند نقطة واحدة: الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الدعم والتخصص. حيث أشار الدكتور حسام محسب، رئيس المهرجان، إلى ندرة المحركين المتخصصين، مقترحًا إنشاء برامج بكالوريوس لتدريس هذا الفن. وفي نداء مباشر، حذر الدكتور مهران من أن مسرح العرائس سيموت إذا لم ترعاه وزارة الثقافة بشكل جاد، مؤكدًا أن خصخصة هذا الفن ليست حلًا.

واختتم بكار بمرارة، مشيرًا إلى أن التحدي لا يقتصر على الإنتاج، بل يمتد إلى «ثقافة المسؤول» الذي يسعى دائمًا لأقل تكلفة وأسرع وقت، متجاهلًا أن العروسة التي يراها بسيطة هي نتاج صناعة معقدة وفن عظيم. فهل يصل هذا النداء لإنقاذ فن رسم البسمة على وجوه أجيال من المصريين؟

أبرز التحديات والتوصيات:

  • ندرة الكوادر المتخصصة في تحريك العرائس.
  • غياب الدعم المادي المؤسسي من الجهات المعنية.
  • الحاجة إلى تطوير برامج تعليمية متخصصة في فنون العرائس.
  • ضرورة تغيير ثقافة شركات الإنتاج والمسؤولين تجاه صناعة العرائس.
  • أهمية ربط فن العرائس بالتراث الشعبي المصري للحفاظ على الهوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *