اقتصاد

مسارات متباينة: المركزي المصري والفيدرالي الأمريكي أمام منعطف أسعار الفائدة

تحليل مقارن لقرارات السياسة النقدية بين القاهرة وواشنطن وتأثيرها على الاقتصاد في ظل بيانات التضخم المتغيرة.

بإجمالي تخفيضات بلغت 625 نقطة أساس منذ بداية العام، يقود البنك المركزي المصري واحدة من أسرع دورات التيسير النقدي في الأسواق الناشئة، وهو تحول جذري يعكس الانتقال من مرحلة كبح التضخم الجامح التي سادت خلال عامي 2022 و2023 إلى مرحلة تحفيز النمو الاقتصادي. هذا المسار، الذي بدأ في أبريل الماضي، لم يكن خطيًا، حيث جاء قرار تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع الأخير عند 21% للإيداع و22% للإقراض كنتيجة مباشرة للبيانات الصادرة عن شهر أكتوبر. لقد شكل ارتفاع معدل التضخم إلى 12.5% من 11.7% في سبتمبر تحديًا واضحًا، مما أجبر لجنة السياسة النقدية على التوقف مؤقتًا لتقييم الأثر الكامل لقراراتها السابقة وتجنب أي ضغوط تضخمية جديدة. هذا التوقف يعيد إلى الأذهان الحذر الذي تعلمته البنوك المركزية عالميًا بعد موجة التضخم التي أعقبت جائحة كوفيد-19، حيث أصبح أي ارتفاع في الأسعار، مهما كان طفيفًا، يثير قلق صانعي السياسات.

يمثل اجتماع 25 ديسمبر المقبل نقطة حاسمة لتحديد ما إذا كان التوقف الأخير مجرد استراحة تكتيكية أم بداية لنهج أكثر تحفظًا. فالبنك المركزي يوازن بين هدفين متضاربين: دعم النشاط الاقتصادي من خلال خفض تكلفة الاقتراض، وفي الوقت نفسه، السيطرة على توقعات التضخم المستقبلية. وتشير توقعات البنك نفسه إلى أن الطريق لن يكون سهلًا، حيث يتوقع ارتفاعًا مؤقتًا في التضخم أواخر عام 2025 بسبب الإصلاحات المرتقبة في أسعار الطاقة، وهو ما يفسر سبب وضع أهداف تضخم طويلة الأجل عند 7% (±2%) بحلول نهاية 2026. هل يمكن اعتبار هذا الهدف واقعيًا في ظل هذه التحديات؟ إنه سؤال يطرح نفسه بقوة على طاولة صانعي القرار.

### **625 نقطة أساس مقابل 50: تباين المسارات النقدية عالميًا**

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، يقدم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قصة مختلفة تمامًا، مما يسلط الضوء على التباين الكبير في الظروف الاقتصادية العالمية. فبينما خفضت مصر الفائدة بواقع 6.25%، اقتصرت تحركات الفيدرالي على تخفيضين فقط بإجمالي 50 نقطة أساس (0.5%) خلال العام، وهو ما يعكس قوة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على تحمل أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول. اجتماع 9 و10 ديسمبر المرتقب قد يشهد خفضًا طفيفًا بمقدار ربع نقطة مئوية، ليصل النطاق المستهدف إلى ما بين 3.5% و3.75%، وهو تحرك حذر يهدف إلى تحقيق ما يعرف بـ “الهبوط الناعم” للاقتصاد دون إثارة ركود. هذا التباين ليس مجرد أرقام، بل هو انعكاس لفجوة الأداء الاقتصادي بين اقتصاد متقدم يدير دورته الطبيعية واقتصاد ناشئ يتعافى من صدمات متعددة.

### **التداعيات على تدفقات رأس المال**

إن الفارق الكبير في سرعة التيسير النقدي بين القاهرة وواشنطن له تداعيات مباشرة على جاذبية الجنيه المصري للمستثمرين الأجانب. فكل تخفيض للفائدة في مصر، بينما تظل الفائدة في أمريكا مرتفعة نسبيًا، يقلص من “عائد التحوط” (Carry Trade)، مما قد يؤثر على تدفقات الأموال الساخنة. لذلك، فإن قرارات البنك المركزي المصري لا تتخذ في فراغ، بل تتأثر بشكل مباشر بالبيئة النقدية العالمية التي يرسم ملامحها [بنك الاحتياطي الفيدرالي](https://www.federalreserve.gov/). إن مراقبة قرارات الفيدرالي لا تقل أهمية عن تحليل بيانات التضخم المحلية، لأنها في النهاية تحدد جزءًا كبيرًا من المشهد الاستثماري الذي تعمل فيه مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *