مرسيدس GLC الكهربائية.. هل نجحت النجمة الألمانية في الحفاظ على بريق الفخامة؟

تجربة قيادة حصرية تكشف عن سيارة كهربائية بروح مرسيدس الأصيلة

صحفي متخصص في قطاع السيارات، يملك أكثر من 12عامًا من الخبرة في مراجعة السيارات

وسط التسابق المحموم في سوق السيارات الكهربائية، يبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع التكنولوجيا الصامتة أن تمنحنا ذات الشعور بالهيبة والرفاهية الذي ارتبط باسم مرسيدس لعقود؟ تقدم مرسيدس-بنز GLC الكهربائية الجديدة إجابة عملية، محاولةً إثبات أنها ليست مجرد إضافة رقمية لأسطول الشركة، بل هي سيارة تحمل جينات «النجمة الثلاثية» في أدق تفاصيلها.

بمجرد الجلوس خلف عجلة القيادة، تدرك سريعاً أن السيارة لا تكتفي بكونها وسيلة تنقل صديقة للبيئة؛ فهي تمثل قراءة مرسيدس لمستقبل الرفاهية، حيث تندمج القوة الكهربائية بهدوء مع تجربة القيادة الفارهة. في هذه الفئة المزدحمة بالمنافسين، لا تكفي المواصفات التقنية وحدها، بل الرهان الحقيقي يكمن في تقديم تجربة متكاملة، وهو التحدي الذي يبدو أن GLC مستعدة له تماماً.

مقصورة ذكية.. فخامة بلمسات عصرية وتنازلات غير متوقعة

الانطباع الأول داخل GLC الكهربائية يمنحك شعوراً بالاتساع والذكاء التقني. التصميم الخارجي يتبنى فلسفة البساطة الأنيقة، ورغم أن الشبكة الأمامية المضيئة قد تبدو جريئة أو «صاخبة» للبعض في محاولتها لإحياء إرث السبعينيات بلمسة مودرن، إلا أن السحر الحقيقي يبدأ في الداخل. الشاشة العملاقة الممتدة على عرض لوحة القيادة بمقاس 39.1 بوصة تسيطر على المشهد تماماً. هي ليست مجرد شاشات متراصة خلف زجاج، بل وحدة متناغمة تضفي رونقاً خاصاً، ورغم أن البعض قد يصف الاعتماد الكلي على الشاشات بأنه هروب من تعقيدات التصميم التقليدي، إلا أنها هنا تبدو متسقة ومنظمة بشكل لافت.

لكن، لا يخلو الأمر من بعض الملاحظات؛ فجودة المواد في المناطق غير المرئية، كالأجزاء السفلية من الأبواب والكونسول، تعتمد على البلاستيك الصلب، وهي ظاهرة بدأت تتسلل مؤخراً لسيارات مرسيدس. حتى الحلي المحيطة بفتحات التهوية، التي تظنها معدنية من النظرة الأولى، ستكتشف أنها بلاستيكية عند لمسها. وبالمثل، شبكات نظام Burmester الصوتي -رغم أدائه المذهل- تبدو أقل فخامة من حيث الملمس مقارنة بمنافسين صينيين مثل «زيكر 001» التي بدأت ترفع سقف المعايير في جودة الخامات.

في المقابل، تظل مرسيدس متمكنة في فن صناعة المقاعد. في طراز AMG Line الذي اختبرته، كانت المقاعد الرياضية مذهلة، ليس فقط في مظهرها، بل في قدرتها الفائقة على احتضان السائق والركاب وتوفير الراحة والدعم اللازمين، خاصة عند المناورة في المنعطفات الحادة بمنطقة الغارف البرتغالية، وهو ما عزز ثقتي في أداء السيارة الديناميكي.

الأداء على الطريق: تفوق هندسي يكسر القواعد

تثبت GLC الكهربائية حضورها كتحفة هندسية حقيقية عند انطلاقها على الطريق. نظام التعليق الهوائي المتكيف يعمل بذكاء ليغير شخصية السيارة جذرياً؛ ففي وضعية «الراحة» تمتص السيارة عيوب الطريق بنعومة فائقة دون تمايل مزعج، بينما في الوضع «الرياضي» تتحول إلى آلة دقيقة ومستقرة تماماً.

نظام التوجيه كان مفاجأة الاختبار، بدقته واستجابته الطبيعية. وللأمانة، شعرت أن توجيه GLC يتفوق في «رياضيته» على منافستها BMW iX3؛ فهو أكثر حدة ويحتاج مجهوداً أقل من السائق، ما يجعل تجربة القيادة ممتعة بشكل غير معتاد في هذه الفئة. ومع وجود نظام التوجيه الخلفي بزاوية 4.5 درجات، تشعر وكأنك تقود سيارة أصغر حجماً وأكثر رشاقة، خاصة في الأماكن الضيقة، حيث يختفي الشعور بطول قاعدة العجلات تماماً بفضل التدخل الذكي وغير المحسوس للنظام.

أما القوة المحركة في طراز GLC EV 400 4Matic، فتعتمد على محركين كهربائيين يولدان 483 حصاناً وعزماً يصل إلى 590 رطل قدم. ورغم قدرة السيارة على الانطلاق من الصفر إلى 100 كم/ساعة في 4.2 ثانية، إلا أن توصيل الطاقة يتسم بالرقي والهدوء، عكس BMW iX3 50 التي تمنحك شعوراً أكثر «وحشية» وتسارعاً يشعرك بقوته بشكل فيزيائي أكبر.

نقطة التفوق الكبرى كانت في نظام الفرامل. فبعد انتقادات طالت إصدارات EQ السابقة، نجحت مرسيدس هنا في جعل الانتقال بين الكبح التجديدي والفرامل التقليدية غير محسوس نهائياً. السيارة تعتمد بنسبة 99% على الفرملة التجديدية في القيادة اليومية، ما يسمح باستعادة طاقة تصل إلى 300 كيلوواط للبطارية، وهو إنجاز تقني يحسب للمهندسين.

وداعاً لقلق المدى: شحن أسرع من الوعود

تنهي GLC الجديدة أسطورة «قلق المدى» ببطارية تمنحك أكثر من 643 كم (وفق معايير WLTP). خلال رحلتي التي امتدت لـ 200 كم في الأرياف البرتغالية، قدت السيارة بأسلوب ديناميكي ودون اكتراث لمؤشر الشحن، ووصل متوسط الاستهلاك إلى 24.5 كيلوواط ساعة/100 كم، وهو رقم منطقي جداً بالنظر لطبيعة الطرق الجبلية وسرعة القيادة.

السيارة مبنية على منصة MB.EA المتطورة بجهد 800 فولت، ما يتيح لها الشحن بقدرة تصل إلى 330 كيلوواط. وفي تجربة واقعية على شاحن سريع، حققت السيارة مفاجأة بتجاوزها الأرقام الرسمية؛ حيث وصلت ذروة الشحن إلى 354 كيلوواط. تمكنت من شحن البطارية من 14% إلى 60% في 11 دقيقة فقط، وهو معدل ممتاز يغير قواعد اللعبة في الرحلات الطويلة.

التكنولوجيا: بين الإبهار البصري والذكاء الاصطناعي

بالعودة للشاشة العملاقة، فرغم مظهرها الذي يذهل الركاب، إلا أن بعض وظائفها تبدو كأنها للاستعراض فقط. ميزة تتبع عين السائق لإيقاف الفيديو عند الراكب الأمامي قد تكون مزعجة أحياناً بسبب حساسيتها. لكن في المقابل، هناك تفاصيل ساحرة مثل سقف “Sky Control” الذي يتغير من شفاف إلى معتم بلمسة زر، والنجوم المضيئة التي تتوهج ليلاً في الزجاج لتمنح المقصورة أجواءً خيالية.

النظام التشغيلي MB.OS سريع وسلس، والارتقاء الحقيقي يظهر في المساعد الرقمي المدعوم بـ ChatGPT وGoogle Gemini. استجابته للأسئلة المعقدة طبيعية وسريعة جداً، سواء كنت تبحث عن مطعم إيطالي بمواصفات خاصة أو تخطط لمسار شحن طويل. العيب الوحيد حالياً هو «فقدان الذاكرة»، حيث لا يتذكر النظام تفضيلاتك السابقة بمجرد إطفاء المحرك، وهو أمر نأمل معالجته في التحديثات القادمة.

كلمة أخيرة

ترسم مرسيدس GLC الكهربائية ملامح واضحة لمستقبل العلامة؛ فهي تجمع بين الصمت المطبق، الكفاءة العالية، والرفاهية التي يبحث عنها عملاء النجمة الألمانية. إذا حافظت السيارة على هذا الأداء المتزن بعيداً عن طرق الإطلاق المثالية، فإننا أمام واحدة من أقوى سيارات الـ SUV الكهربائية الفاخرة التي تثبت أن المستقبل الأخضر لا يعني بالضرورة التخلي عن متعة القيادة والتميز الطبقي.

Exit mobile version