مدبولي من أسبوع القاهرة للمياه: النيل قضية وجودية وحقوقنا المائية خط أحمر

في يوم حافل بالنشاط، جمع بين متابعة المشروعات القومية الكبرى وتأكيد الثوابت الاستراتيجية، وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي رسائل بالغة الأهمية حول ملف الأمن المائي لمصر. جاء ذلك في كلمته الختامية لفعاليات أسبوع القاهرة الثامن للمياه، والتي رسمت ملامح الموقف المصري الحاسم تجاه حقوقه التاريخية في مياه النيل.
بدأ رئيس الوزراء يومه بجولة تفقدية لمتابعة الاستعدادات النهائية لافتتاح المتحف المصري الكبير، أحد أكبر المشاريع الثقافية في العالم، والمقرر افتتاحه رسميًا في نوفمبر المقبل. وفي المساء، انتقل مدبولي ليلقي كلمة مصر في ختام «أسبوع القاهرة الثامن للمياه»، المنعقد تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي تحول إلى منصة دولية بارزة تجمع صناع القرار والخبراء من أكثر من خمسين دولة لمناقشة قضايا المياه والتنمية المستدامة.
أشاد مدبولي بالزخم الذي شهده الأسبوع هذا العام تحت شعار «حلول مبتكرة للتكيف مع تغير المناخ واستدامة المياه»، معتبرًا أن النقاشات حول محاور التعاون والمناخ والابتكار لم تكن مجرد عناوين نظرية. بل شكلت خريطة طريق عملية نحو مستقبل مائي أكثر استدامة، مؤكدًا أن المنتدى لم يعد مناسبة سنوية، بل منبرًا عالميًا لصياغة حلول واقعية تربط البحث العلمي بالسياسات التنفيذية.
رسائل حاسمة وخطوط حمراء
في الجزء الأهم من كلمته، تحولت النبرة الدبلوماسية إلى حسم مباشر، حيث أكد مدبولي أن مياه النيل تمثل “قضية وجودية لا هوادة فيها ولا تهاون”. وفي رسالة موجهة، وإن لم تكن مسماة، انتقد رئيس الوزراء استمرار “طرف بعينه” في ترديد خطاب أحادي ومفاهيم مغلوطة حول ملكية النهر، في محاولة لتبرير سياسات منفردة تخالف مبادئ القانون الدولي وقواعد الشفافية.
وفنّد مدبولي الطرح القائل بوجود “نِسَب مساهمة” في مياه النيل، واصفًا إياه بأنه يتنافى مع العلم والمنطق، فالنهر نظام بيئي متكامل تشترك فيه جميع دول الحوض. ودعمًا لموقفه، كشف أن حوض النيل يتلقى أكثر من 1660 مليار متر مكعب من الأمطار سنويًا، لا يصل منها إلى مصر والسودان سوى 84 مليارًا، أي حوالي 5% فقط، مما ينسف أي ادعاءات بندرة الموارد لدى دول المنبع لتبرير الإجراءات الأحادية.
وشدد رئيس الوزراء على أن أي تصور بإمكانية المساس بحقوق مصر التاريخية والقانونية هو “محض وهم”، مؤكدًا أن الدولة ستظل حازمة في الدفاع عن حقوقها المائية بكل الوسائل المشروعة. وأوضح أن التنمية حق للجميع، لكنها لا يمكن أن تكون ذريعة لفرض السيطرة أو إلحاق الضرر بالآخرين، وهو مبدأ أساسي في إدارة الأنهار المشتركة.
مواجهة التحديات برؤية علمية
لم يقتصر الخطاب على تحديد التهديدات الخارجية، بل استعرض بالتفصيل الرؤية المصرية لمواجهة التحديات الداخلية المعقدة. وأشار مدبولي إلى أن منظومة مصر المائية تعتمد بنسبة تفوق 98% على نهر النيل، وتواجه ضغوطًا هائلة بسبب الزيادة السكانية، مما أدى لانخفاض نصيب الفرد إلى ما دون حد الندرة المائية العالمي، فضلًا عن مخاطر التغيرات المناخية على الدلتا والسواحل الشمالية.
وفي مقابل هذه التحديات، عرض رئيس الوزراء خطة الدولة المتكاملة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة. وسلط الضوء على “الجيل الثاني من منظومة الري”، الذي يشمل إنشاء أكبر محطات معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي في العالم. ووصف هذه المشاريع بأنها نقلة نوعية في الإدارة الذكية والمستدامة للمياه، تهدف لبناء نظام وطني مرن يجمع بين التكنولوجيا والحوكمة.
وتشمل الخطة أيضًا تحديث البنية التحتية المائية، وتطوير نظم تشغيل السد العالي، وتأهيل الترع بمواد صديقة للبيئة، ومشروعات حماية السواحل. كما أشار إلى التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار (الدرونز) لتقدير الاحتياجات المائية بدقة، مؤكدًا أن مصر لا تتحدث عن المشاكل فقط، بل تقدم حلولًا عملية للعالم.
واختتم الدكتور مصطفى مدبولي كلمته بدعوة واضحة للمجتمع الدولي، مؤكدًا أن الماء يجب أن يكون أساسًا للحياة والتعاون والسلام، لا سببًا للنزاع. وجدد العهد من قلب القاهرة بأن تظل مصر رائدة في إدارة مواردها، وحريصة على حق الجميع في التنمية المستدامة، ومؤمنة بأن المستقبل المشترك لشعوب حوض النيل يبدأ من كل قطرة ماء.









