مدارس المتفوقين (STEM): نخبة مصر بين ضغط الامتحانات وتحديات البنية التحتية
من ضعف الإنترنت لسوء التغذية وتراجع فرص الالتحاق بكليات القمة.. هل ينجح قرار الوزير في إنقاذ مستقبل طلاب STEM؟

انطلقت مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا (STEM) عام 2011 بدعم أمريكي استمر حتى 2019، لتتحول بعدها إلى تمويل كامل من وزارة التربية والتعليم. تستقبل هذه المدارس طلابها وفق معايير قبول صارمة للغاية، حيث يدرسون بنظام الإقامة الداخلية في 21 منشأة تعليمية موزعة على مستوى الجمهورية.
يُعرف نظام الدراسة بمدارس STEM بضغط أكاديمي مكثف؛ ففي كل فصل دراسي، يخضع الطالب لخمسة اختبارات دورية، يضاف إليها امتحان منتصف الفصل ونهايته، ومشروع علمي، ليصبح إجمالي الاختبارات 12 في الفصل الواحد. ويتصاعد هذا العدد في الصف الثالث الثانوي ليصل إلى 14 امتحانًا، يُحتسب 12 منها ضمن المجموع النهائي. هذا الواقع يضع الطلاب، الذين يُعدون نخبة المتفوقين في مصر، تحت ما يمكن وصفه بـ«طاحونة امتحانات» حقيقية.
معاناة متراكمة وشكاوى متزايدة
على الرغم من هذا الجهد الأكاديمي الاستثنائي، يواجه طلاب مدارس STEM منذ سنوات تحديات متراكمة تفاقمت حدتها بشكل لافت. وتعددت الشكاوى التي رفعها الطلاب وأولياء أمورهم، ومن أبرزها ما يلي:
- ضعف خدمة الإنترنت أو انقطاعها التام، وعدم تغطيتها لكافة مرافق المدرسة، رغم أن المناهج الدراسية تعتمد بشكل أساسي على الإنترنت بسرعات عالية، مما دفع بعض أولياء الأمور إلى تحمل تكاليف باقات إنترنت إضافية لأبنائهم.
- تدني جودة الطعام المقدم، حيث تُقدم وجبات لا تتوافق مع المعايير الصحية، وتكون أحيانًا غير مكتملة النضج – خاصة الدواجن – أو تحتوي على حشرات. يضاف إلى ذلك صرامة مواعيد استلام الوجبات دون مراعاة لظروف الطلاب، ومنع استلام الوجبات بالنيابة عن زميل.
- مشكلات خطيرة في البنية التحتية ببعض المدارس، كمدارس STEM أكتوبر، حيث تتطلب خطوط المياه إصلاحًا عاجلًا بسبب تسرب مياه المطافي واختلاطها بخطوط الصرف الصحي.
- تدهور حالة الأسوار ووجود كسور بها، مما يسهل دخول الحيوانات الضالة كالكلاب والقطط، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى تسلل الثعابين.
- انتشار ملحوظ للقطط داخل مرافق المدارس، بما في ذلك الغرف، الحمامات، والمطاعم.
- تراجع مستوى الرعاية الصحية، سواء نتيجة للإهمال أو غياب التعاطف في التعامل مع الطلاب، وعدم إدارة الحالات المرضية بكفاءة، خاصة أن الطلاب مقيمون إقامة داخلية، مما يجعل إجبار طالب مريض على البقاء بحجة العزل قد يتسبب في انتشار العدوى بين زملائه.
- تهالك الأثاث المدرسي وعدم تجديده منذ سنوات، مع وجود دواليب وأسرّة مكسورة وضعف في الإضاءة داخل الغرف.
- عجز واضح في أعداد المعلمين المتخصصين للمواد الدراسية داخل المدارس.
- عدم السماح بنقل الطلاب أو حتى بحث إمكانية ذلك، حيث يُلزم الطالب بالالتحاق بمدرسة STEM في محافظته، رغم وجود إمكانية لوضع ضوابط وقواعد للنقل. هذا الوضع يجبر الطلاب على السفر لساعات طويلة أسبوعيًا ذهابًا وإيابًا، مما يؤثر سلبًا على حالتهم النفسية والأسرية.
- تأتي «النسبة المرنة» كأخطر المشكلات على الإطلاق؛ فمع تزايد أعداد طلاب STEM، تتضاءل فرصهم في الالتحاق بكليات القمة كالطب والهندسة عامًا بعد عام. يعود ذلك إلى زيادة أعداد طلاب الثانوية العامة مع ثبات النسبة المخصصة لطلاب STEM. تتجلى هذه المشكلة بوضوح في الأرقام؛ ففي عام 2023، التحق 282 طالبًا من STEM بكلية الطب بنسبة 25%، ثم تراجع العدد إلى 142 طالبًا بنسبة 14%. كما انخفض عدد الملتحقين بكلية الهندسة من 297 طالبًا بنسبة 42% إلى 188 طالبًا بنسبة 29%، في تناقض صارخ مع التوقعات التي كانت ترجح زيادة هذه النسب لا تراجعها.
بين التسويف والتهديد
في مواجهة هذه المعاناة، غالبًا ما واجه الطلاب وأولياء أمورهم التسويف والإهمال، بدلًا من الاستماع الجاد لشكواهم والسعي الحقيقي لإيجاد حلول. بل إن الأمر وصل في بعض الحالات إلى تهديد الطلاب وإجبارهم على توقيع إقرارات تنفي وجود أي شكاوى. ورغم أن هذه التحديات لا تتطابق كليًا في جميع مدارس STEM، إلا أن كل مدرسة من هذه المدارس تعاني من بعض هذه الأزمات.
خطوة إصلاحية وأمل مرتقب
مع تزايد الشكاوى التي وصلت إلى السيد وزير التربية والتعليم، والتي شملت كل ما سبق ذكره، صدر قرار بإنشاء وحدة جديدة تحمل اسم «مدارس المتفوقين والموهوبين». ستضم هذه الوحدة مدارس المتفوقين ومدارس STEM، وتخضع لإشراف الأستاذ الدكتور أيمن بهاء، نائب وزير التربية والتعليم، وهو بالمناسبة أحد خريجي مدارس المتفوقين.
يُعَد هذا الاختيار بارقة أمل حقيقية؛ فالدكتور أيمن بهاء عايش التجربة التي يمر بها هؤلاء الطلاب، ويدرك تمامًا طبيعة دراستهم والضغوط المصاحبة لها، مما يجعله الأجدر على استشعار معاناتهم والأكثر كفاءة في معالجة مشكلاتهم. يضاف إلى ذلك أسلوبه الإداري الذي لا يقبل الحلول الوسط، بل يعتمد على المواجهة المباشرة والحلول الجذرية والحاسمة والسريعة. كما يتمتع بخبرات واسعة من خلال مناصبه السابقة في جامعة عين شمس، وجامعة مصر الدولية، وجامعة السويدي، وغيرها من المواقع التي أثبت فيها كفاءة عالية وحقق نقلات نوعية ملموسة.
ختامًا، تُشير كل هذه المعطيات إلى فتح باب أمل واسع بأن تشهد مدارس STEM إصلاحًا حقيقيًا وشاملًا. إصلاحٌ من شأنه أن يعيد لهذه المدارس مكانتها المستحقة، ويضمن توفير بيئة تعليمية وإنسانية تليق بقيمة هؤلاء الطلاب، الذين يمثلون خيرة عقول مصر ومستقبلها العلمي الواعد.









