فن

مايلز ديفيس: مائة عام على ميلاد أيقونة الجاز.. إرث يتجدد وتأثير لا يبهت

من لهيب البيبوب إلى آفاق الفيوجن: رحلة فنان سبق عصره

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في اخبار الفن والثقافة.

مع اقتراب الذكرى المئوية لميلاد أسطورة الجاز الخالدة، مايلز ديفيس، تتجدد الأحاديث عن تأثيره الهائل وإرثه الذي لا يزال يتردد صداه في أروقة الموسيقى العالمية. فنان لم يكتفِ بتغيير وجه الجاز مرارًا وتكرارًا، بل ظل نبراسًا للإبداع والتجديد، حتى وصفه دوق إلينغتون بـ ‘بيكاسو الجاز’.

**النشأة الأولى ولهيب الجاز**

وُلد مايلز ديوي ديفيس الثالث في ألنتون، إلينوي، في السادس والعشرين من مايو عام 1926، لعائلة ميسورة الحال. بعد عام واحد، انتقلت العائلة إلى إيست سانت لويس، التي عُرفت لاحقًا بـ ‘إيست بوجي’ بسبب مشهدها الموسيقي الصاخب. والده، جراح الأسنان مايلز ديفيس الابن، ووالدته عازفة الكمان والبيانو كليوتا هنري ديفيس، حاولا توجيهه نحو الموسيقى الكلاسيكية، لكن ديفيس، الابن الأوسط بين ثلاثة أطفال، وجد لهيبًا آخر في الجاز. كانت أولى ذكرياته لهبًا أزرق حارًا على موقد العائلة، شعور بالخوف والإثارة في آن واحد، وهو ما اعتبره ‘دعوة وتحديًا’ دفعه دائمًا نحو الأمام، بعيدًا عن حرارة ذلك اللهب.

بدأ العزف على الكورنيت في العاشرة، وحصل على أول بوق له في الثالثة عشرة. التقى بحبيبته الأولى، إيرين بيرث، في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. لم تحظَ العلاقة بموافقة عائلته بسبب أصولها المتواضعة، لكن بيرث كانت مصدر دعم حاسم. في عام 1943، أقنعته بالانضمام إلى فرقة ‘بلو ديفلز’، حيث عزف ما أسماه ‘موسيقى الرقص الساخنة’ وقام بأولى محاولاته في التوزيع الموسيقي. في العام التالي، غادر إلى مدرسة جويليارد، وسرعان ما لحقت به بيرث وطفلتهما الأولى، شيريل، في نيويورك.

في جويليارد، كان ديفيس طالبًا متوسطًا، يقضي لياليه في نوادي نيويورك من القرية إلى هارلم، منجذبًا إلى ‘لهيب البيبوب’ كما وصفه كاتب سيرته جون سويد. كان حريصًا على لقاء مهندسي هذا الأسلوب الجديد الجريء: عازف البوق ديزي غيليسبي، وخاصة عازف الساكسفون تشارلي ‘بيرد’ باركر. التقى ديفيس بباركر خارج نادي ‘هيت ويف’، وبحلول نهاية عام 1945، كان قد ترك الدراسة وانضم إلى خماسية مثله الأعلى. ربما سجل مع باركر أكثر من غيليسبي نفسه، وقدم مساهمات كبيرة في البيبوب. لكنه أراد أن يشق طريقه الخاص، ففعل ذلك من خلال إيلاء اهتمام حميم للنبرة والصياغة.

لم يكن مايلز ديفيس مجرد موسيقي، بل شخصية آسرة، عُرف بلقبين يعكسان شخصيته الموسيقية والحياتية المتغيرة والقوية: ‘أمير الظلام’ و’الساحر’. هذان اللقبان استحضرا نهجه المتقلب، الذي لا يقبل المساومة، وشبه الكلي القدرة، سواء في الموسيقى أو في الحياة.

**من البيبوب إلى صوت ‘الكول’ المميز**

قال ديفيس: ‘أفضل صوتًا دائريًا لا يحمل أي موقف، مثل صوت دائري لا يحتوي على الكثير من الاهتزازات أو الكثير من الجهير.’ وللمزيد من التخفيف، كان يستخدم أحيانًا كاتم صوت جزئيًا في بوقه. في جلسات عام 1949 التي صدرت لاحقًا تحت عنوان ‘ولادة الكول’ (Birth of the Cool)، ظهر صوت مايلز ديفيس المميز: صريح، بليغ، وشجي، وكأنه يرثي أن هذا هو أقرب ما يمكن الوصول إليه، على البوق، إلى صوت الإنسان. كان راقيًا، ثاقبًا، دائمًا جاهزًا ولكنه لم يكن متعجلًا أبدًا – باختصار (لاستخدام كلمة ندين بمعناها الكامل لديفيس)، كان ‘كول’.

**تحديات الحياة وقمة الإبداع**

بينما لم يتزوج ديفيس وبيرث أبدًا، أنجبا ثلاثة أطفال بحلول عام 1950. تراكمت الفواتير، وتباطأ صعود ديفيس مع إدمانه للهيروين. تخلص من الإدمان عدة مرات، وعانى أيامًا وليالٍ من التعرق والقشعريرة. في عام 1954، أصبح نظيفًا بجدية. في العام التالي، وقعت معه شركة كولومبيا للتسجيلات، ووجهت آلتها التسويقية نحو جعله نجمًا عالميًا، وشكل ديفيس خماسية متعددة المواهب بشكل مذهل ضمت جون كولترين على ساكسفون التينور. وكان ديفيس بارعًا في قيادة الفرقة، فكما كتب الناقد الكبير ستانلي كراوتش، هذه الفرقة التاريخية ‘أججت النار ببراعة كما غنت’.

في جلستين صدرتا عام 1959 تحت عنوان ‘نوع من الأزرق’ (Kind of Blue)، قدم ديفيس سلالم لحنية غير مألوفة إلى الجاز، وما كان يمكن أن يكون تجربة معيارية غامضة تحول بدلاً من ذلك إلى أكبر ألبوم جاز تم تسجيله على الإطلاق. أخذ ديفيس صوت البيبوب في زمن الحرب وخفض مستوى الصوت والحرارة دون التضحية بالحدة. لقد صنع نوعًا جديدًا وجميلًا من فن الحرب الباردة، جالبًا الجاز الصوتي إلى نقطة الكمال لدرجة أنه عندما قدم القيثارات الكهربائية، بعد عقد من الزمان، تعامل العديد من النقاد – وخاصة كراوتش – مع الأمر على أنه أسوأ هرطقة على الإطلاق. (لقد كانوا مخطئين؛ ففرق ديفيس التي دمجت الأساليب كانت غالبًا ما تتسم بالعبقرية، لكن الجدل ظل قائمًا).

تدرب ديفيس على الملاكمة، من أجل اللياقة والحماية. كان مهووسًا بجاك جونسون وشوجر راي روبنسون وقلدهما خارج الحلبة، مرتديًا ملابس أنيقة وقيادة سيارات فارهة. كان أسطوريًا في الألقاب التي كان يطلقها بصوته الأجش. على أقل تقدير، لم تنجُ علاقته ببيرث وزيجاته الثلاث اللاحقة – من فرانسيس تايلور، وبيتي مابري، وسيسيلي تايسون، وكل منهن فنانة بحد ذاتها – من طباعه الحادة.

كان هذا الغضب مرتبطًا بالتحيز الذي حاربه ديفيس طوال حياته. رفض العزف في عروض عنصرية، وتعرض للضرب والاعتقال ذات مرة لتحدثه بحدة مع شرطي أبيض خارج نادٍ كان اسمه يتصدر لوحته الإعلانية. كما حارب مشاكل صحية قاسية، خاصة في النهاية. على الرغم من الألم الشديد، حافظ على فضول متقد للموسيقى الجديدة، وخلق دائمًا دمجًا جديدًا كلما عزف. في الثامن والعشرين من سبتمبر 1991، نفد منه النفس. كان آخر أعماله الاستوديو: ‘دو-بوب’ (Doo-Bop)، ألبوم متأثر بالهيب هوب صدر في العام التالي.

**إرث لا يبهت وجدل لا ينتهي**

اليوم، بعد 100 عام من ميلاده، لا يزال البعض يستاء من ديفيس لصعوبة تصنيفه موسيقيًا. يكره العديد من المتشددين موسيقى السبعينيات الخاصة به. (لماذا يحط فنان عبقري من قدره بموسيقى الروك؟) ويكره الكثيرون موسيقى الثمانينيات الخاصة به. (لماذا كان مايلز ديفيس يغطي أغاني سيندي لوبر؟)

لخص أولو دارا، عازف الكورنيت الذي أصبح ابنه، المعروف باسم ناس، أحد أكثر مغني الراب تأثيرًا في التاريخ، الأمر بقوله: ‘كان مايلز يتعامل مع كل ما كان لأمريكا أن تقوله. إنه يجعلك أمريكيًا حقيقيًا’.

مقالات ذات صلة