اقتصاد

كواليس نجمة ميشلان: شيف عالمي يكشف عن وجهها الخفي و”مكون سري” يقترب ثمنه من 3 آلاف جنيه!

الشيف جان دلبورت يتحدث عن جنون مسابقات الطهي، ضغط الحفاظ على التميز، ويدعو لدعم "الضيافة" في الوطن العربي.

الشيف جان دلبورت، نجم برنامج “القائمة البريطانية الكبرى” وصاحب مطعم “إنترلود” الحائز على نجمة ميشلان في وست ساسكس، يكشف كواليس عالم الطهي الرفيع، ويضع النقاط على الحروف حول تحدياته وأسراره.

لا يدرك كثيرون، للأسف، حجم الجهد الخرافي الذي يتطلبه التحضير لمثل هذه المسابقات التلفزيونية العالمية، فالأمر أشبه بماراثون لا يتوقف. الشيف دلبورت يصف الأمر وكأنه أربعة أشهر متواصلة من العمل الدؤوب، يمارس فيها الطهي حتى ساعات الفجر الأولى، كل ذلك بينما يدير مطعمه بالكامل. تحدٍ مرهق، لكنه مثمر للغاية، يطلب منك أن تستنزف كل طاقاتك لتصل إلى القمة، وكأنها معركة لا هوادة فيها، وهو ما يشابه، إلى حد كبير، الضغط الذي يتعرض له طهاتنا العرب في مسابقات الطهي المحلية أو عند السعي للحفاظ على سمعة مطاعمهم الفاخرة.

نجاح الشيف في البرنامج دفع الحجوزات إلى مستويات غير مسبوقة، فالمطعم تحول إلى وجهة جاذبة للذواقة من شتى أنحاء المملكة المتحدة، وهذا أمرٌ طبيعي، فالتلفزيون يمنح بريقاً لا مثيل له. هذا الزخم الإيجابي بث روحاً جديدة في فريق العمل وفي تجربة المطعم ككل.

يكشف دلبورت عن وجه آخر للفوز بنجمة ميشلان؛ فليست مجرد تكريم، بل بداية لنوع جديد من الضغط، وكأنها سيف ذو حدين. الخوف المستمر من فقدانها، والدفع اللامتناهي للحفاظ على المعايير، بل وتجاوزها يومياً، كلها عوامل تجعل التجربة مبهجة ومنهكة ومثيرة للإعجاب في آن واحد. هذا الطموح المحموم نراه يتجسد في مطاعمنا الفاخرة التي تسعى لتقديم تجربة لا تُنسى في كل مرة.

الشيف يرى أن للزبائن الحق الكامل في تحديد قيمة البقشيش (الإكرامية) وفقاً لتجربتهم، وهذا أمرٌ منطقي، فالبقشيش يجب أن يكون مكافأة للخدمة الاستثنائية. وهي ثقافة نحتاج لترسيخها أكثر في بعض مطاعمنا العربية، حيث لا يزال البقشيش يُقدم كعرف أكثر من كونه تقديراً حقيقياً للجودة.

وعن أفضل طريقة لتقديم الشكوى، ينصح دلبورت بالحديث المباشر والمهذب والبناء مع الموظفين أثناء الوجبة، لأن معظم المشكلات يمكن حلها فوراً. ويحذر من مغادرة المكان دون إبداء الرأي، فهذا لا يحرم الفريق من فرصة التصحيح فحسب، بل كثيراً ما يؤدي إلى تفاقم الأمور بطرق لا تخدم أحداً، وكأنها فرصة ضائعة لتحسين التجربة.

ويعترف الشيف أن أحد أكثر الأمور إزعاجاً له هو عندما يصف الزبائن تفضيلاتهم الشخصية بأنها “حساسية”، فبينما يسعد الفريق بتكييف التجربة لكل ضيف، فإن تصنيف شيء ما على أنه حساسية يحد بشكل كبير من خيارات الطهي المتاحة، وهذا يضع الطاهي في موقف صعب بلا داعٍ.

يرى الشيف أن المطبخ البريطاني بات يحتل مكانة مرموقة عالمياً، بوجود مطاعم رائعة ومثيرة بالفعل، ويشعر بالفخر لكونه جزءاً من هذا التطور المذهل. المطبخ البريطاني، بحسب قوله، شهد تحولاً هائلاً، مزجاً للمؤثرات العالمية مع الاحتفاء بالمكونات المحلية، وهذا المسار يشبه إلى حد كبير ما نراه في مطابخنا العربية التي باتت تفتح ذراعيها للعالم دون أن تتخلى عن أصالتها.

لو كان بيده أن يصبح رئيساً للوزراء ليوم واحد، لصب اهتمامه على دعم قطاع الضيافة عبر حوافز مالية، منها خفض ضريبة القيمة المضافة على الأعمال، وتطبيق برامج تدريب ومبادرات تعزز الاستدامة والابتكار. فهذا القطاع الحيوي، والذي يعد من الأكبر في المملكة المتحدة، غالباً ما يواجه الإهمال وقلة الدعم، وهو نداء يتكرر صداه في مصر ودول عربية أخرى حيث تعاني السياحة والضيافة من تحديات مشابهة وتفتقر للدعم الكافي.

يلاحظ الشيف أيضاً أن العديد من المطاعم البريطانية الراقية بدأت تفقد هويتها، بوصف أسلوب طهيها بأنه “بريطاني حديث”، وهو ما يبدو وكأنه تجميع للتوجهات السائدة، وهذا أمرٌ محزنٌ حقاً. يتساءل دلبورت عن تلك المطاعم التي تقدم جميعها نفس الأطباق لمجرد أنها رائجة، ويؤكد أنه عندما يتناول الطعام خارج المنزل، يبحث عن بصمة الطاهي الشخصية في الطبق، قصته، حرفته، ما يحب طهيه بصدق، لا ما يتصدر “الترندات” على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما يميز المبدعين عن المقلدين في أي ثقافة طعام.

يؤكد دلبورت أن المملكة المتحدة تزخر بأماكن رائعة لتناول الطعام، ويجد متعة خاصة في استكشاف مناطق مثل كورنوال ومنطقة البحيرات وإدنبرة، فكل منها كنز من الجواهر الطهوية الفريدة. وكأنها دعوة لاكتشاف كنوز الطهي الخفية في أسوان والأقصر أو مدن المغرب العربي، فالتنوع هو سر الإلهام.

يعود الفضل في إلهامه بمسيرة الطهي إلى كتب الشيف الشهير جيمي أوليفر في بداياته، فقد كانت وصفاته سهلة ومتاحة لا ترهب المبتدئين، وهو ما يؤكد أن البدايات البسيطة هي الأفضل. الممارسة المستمرة والتذوق أثناء الطهي يصنعان الفارق، ولا خوف من ارتكاب الأخطاء، فهي دروس لا تقدر بثمن. فكلما تعمق فهم المرء للتقنيات والعمليات، بات خلق أطباق استثنائية أمراً أكثر يسراً، وهذه نصيحة ذهبية لأي طاهٍ شاب في أي مكان.

يكشف الشيف دلبورت عن مكونه السري: الـ “بيلتونغ” (لحم مجفف على الطريقة الجنوب إفريقية)، وهو تحية لتراثه الذي يعتز به. يستخدمه بشغف لتعدد استخداماته، ففي مطعمه يصنعون كميات وفيرة منه بأنفسهم من لحم الغزال. يفضله شرائح رفيعة لإبراز نكهته، كما يستعمله كبهار في أطباق متنوعة ليضيف عمقاً فريداً من الصعب مضاهاته. هذا المنتج عالي الجودة يصعب العثور عليه، ويُباع الكيلوغرام منه عادةً بسعر يقارب 3000 جنيه مصري، لكنه يصبح الأفضل بلا شك عندما يُصنع منزلياً، وهو ما يذكرنا ببهجة إعداد الأكلات الشعبية في بيوتنا العربية، حيث اللمسة الشخصية لا تُقدر بثمن.

مقالات ذات صلة