كندا تحاكي غزوًا أمريكيًا محتملًا لأول مرة منذ قرن
تدريب عسكري كندي غير مسبوق يدرس سيناريوهات غزو أمريكي افتراضي في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

تدريب غير مسبوق منذ أكثر من قرن
كشف مسؤولون كنديون رفيعو المستوى لصحيفة “ذا جلوب آند ميل” أن الجيش الكندي أجرى محاكاة داخلية لسيناريو غزو أمريكي افتراضي. يعد هذا التمرين الأول من نوعه منذ أكثر من مئة عام، مما يسلط الضوء على الطبيعة الاستثنائية للسياق الاستراتيجي الراهن.
وأكدت المصادر أن هذا ليس خطة حرب رسمية، بل هو تدريب تحليلي مفاهيمي يهدف إلى تقييم نقاط الضعف وأوقات الاستجابة والسيناريوهات القصوى في بيئة دولية تشهد تقلبات متزايدة.
سيناريو لم يعد مستبعدًا
لطالما اعتُبرت فكرة نشوب صراع عسكري بين كندا والولايات المتحدة أمرًا لا يمكن تصوره على مدى عقود طويلة. يتقاسم البلدان أطول حدود غير عسكرية في العالم، ويتمتعان بتكامل اقتصادي عميق، وتحالف استراتيجي راسخ ضمن إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو) ونظام الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (نوراد).
لكن، أدت لهجة الخطاب الجيوسياسي الأمريكي المتشددة والتوترات الأخيرة حول منطقة القطب الشمالي إلى دفع أوتاوا للتفكير في سيناريوهات كانت مستبعدة تمامًا في السابق. يدرس التمرين افتراضات يمكن فيها للقوات الأمريكية اختراق الدفاعات الكندية في غضون أيام قليلة، نظرًا للتفاوت العسكري الكبير بين البلدين.
عامل غرينلاند وأمن القطب الشمالي
لم يكن دافع هذه المحاكاة عشوائيًا. يأتي التمرين في سياق الاهتمام المعلن للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بمنطقة غرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية، وفي ظل خطاب أدى إلى توتر العلاقات الأمنية في القطب الشمالي.
بالنسبة لكندا، لا يمثل القطب الشمالي مجرد منطقة هامشية، بل هو محور أساسي لسيادتها ودفاعها وتطلعاتها الاستراتيجية. يؤدي ذوبان الجليد التدريجي إلى فتح طرق بحرية جديدة ورفع القيمة العسكرية والاقتصادية للمنطقة، مما كثف المنافسة بين القوى الكبرى.
تفوق عسكري وضعف كندي
وفقًا للمصادر المشار إليها، كان أحد الجوانب الأكثر حساسية في التمرين هو التأكد من أن القدرات العسكرية الكندية، في سيناريو متطرف، ستكون غير كافية لوقف هجوم أمريكي طويل الأمد. يستند التحليل إلى افتراضات واقعية حول اللوجستيات، والتفوق الجوي، والسيطرة البحرية، والانتشار السريع للقوات.
لا تُفسر هذغرينلاندتاجات كاتهام مباشر لواشنطن، بل كتنبيه داخلي حول القيود الهيكلية التي تواجه نظام الدفاع الكندي، لا سيما في المناطق الشمالية النائية من البلاد.
تمرين مفاهيمي لا خطة حرب
أكدت السلطات الكندية أن المحاكاة لا تشكل خطة عملياتية ولا تعني أن أوتاوا تعتبر الصراع مع الولايات المتحدة أمرًا مرجحًا. الهدف تحليلي بحت: تحديد المخاطر، وتقييم السيناريوهات القصوى، وتحسين القدرة على التخطيط الاستراتيجي في بيئة دولية لا يمكن التنبؤ بها.
في هذا الصدد، يتماشى التمرين مع الممارسات المعتادة في هيئات الأركان العامة للدول الحليفة، التي غالبًا ما تضع نماذج حتى للتهديدات غير المحتملة للغاية كجزء من تخطيطها طويل الأمد.
تأثير سياسي ودبلوماسي
للكشف عن هذا التمرين تأثير سياسي واضح. ورغم أنه ظل في نطاق سري للغاية، إلا أن تسريبه يعكس القلق المتزايد في الأوساط الأمنية الكندية من تحول السياسة الخارجية الأمريكية.
دبلوماسيًا، لا تزال أوتاوا تفضل التعاون والحوار مع واشنطن، لكن هذا النوع من التحليل الداخلي يظهر أن الثقة المطلقة قد تراجعت لتحل محلها علاقة أكثر حذرًا تستند إلى سيناريوهات المخاطر.
القطب الشمالي محور توتر جديد
يتفق خبراء الأمن على أن القطب الشمالي أصبح أحد أبرز بؤر التوتر الجيوسياسي العالمي، إلى جانب أوروبا الشرقية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. لقد حول مزيج الموارد الاستراتيجية والطرق التجارية الجديدة والوجود العسكري المتزايد منطقة كانت مستقرة تاريخيًا إلى ساحة منافسة مفتوحة.
بالنسبة لكندا، يستلزم هذا تعزيز وجودها، وتحديث قدراتها العسكرية، وإعادة تعريف استراتيجيتها الدفاعية في القطب الشمالي، حتى في مواجهة الحلفاء التقليديين.
مؤشر على عالم أكثر اضطرابًا
لا تعني المحاكاة الكندية قطيعة مع الولايات المتحدة، لكنها مؤشر واضح على عالم أكثر تجزؤًا وأقل قابلية للتنبؤ. أن يفكر بلد حليف وجار، ولو نظريًا، في سيناريو غزو أمريكي يكشف مدى دخول الجيوسياسية مرحلة إعادة تعريف عميقة.
في هذا السياق الجديد، تضطر حتى أقوى التحالفات إلى مراجعة افتراضاتها التاريخية والاستعداد لسيناريوهات كانت، حتى وقت قريب، تنتمي فقط إلى عالم الخيال الاستراتيجي.









