
فاجعة أليمة ضربت أحد أكبر مستشفيات سيدني الأسترالية، حيث أودى فطر شائع بحياة مريضين، وأصاب أربعة آخرين بمرض خطير داخل وحدة زراعة الأعضاء. هذا الحادث يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول سلامة البيئة العلاجية، لا سيما في مستشفياتنا العربية التي تشهد مشاريع بناء متواصلة بالقرب من مرافقها الحيوية.
السلطات الصحية تحقق في تفشي العدوى الفطرية بمستشفى رويال برينس ألفريد. ستة مرضى أصيبوا بالعدوى بين أكتوبر وديسمبر 2025 بعد تعرضهم لفطر “أسبرجيلوس”، وهو نوع من الفطريات المنتشرة في التربة والنباتات والغبار والأماكن الرطبة.
بيان صادر عن المتحدث باسم المستشفى أشار إلى احتمال وجود الفطر في مواقع البناء القريبة، ضمن مشروع إعادة تطوير المستشفى البالغ تكلفته 940 مليون دولار أسترالي. هذا الربط يثير قلقاً بالغاً، فهل نرى سيناريوهات مشابهة في مستشفياتنا بمصر أو غيرها من الدول العربية حيث تتداخل الإنشاءات مع المنشآت الطبية بشكل مستمر؟
إنه فطر شائع، فما خطره؟
نعم، “أسبرجيلوس” نوع من الفطريات الخيطية التي تتشكل على هيئة سلاسل طويلة. ينتشر هذا الفطر عادة في التربة والنباتات والمناطق الرطبة. في أغلب الأحيان، لا يسبب هذا النوع من الفطريات أي ضرر للأشخاص الأصحاء. لكنه قادر على إحداث مرض تنفسي خطير يُعرف بـ”الأسبرجيلوسيس”، ويصيب نحو 250 ألف شخص حول العالم. رقم صادم حقاً لتهديد غير مرئي.
كيف يلحق فطر “أسبرجيلوس” الضرر بالجسم؟
تنتج هذه الفطريات جراثيم صغيرة تنتقل عبر الهواء. قد يستنشقها الأشخاص لتصل إلى الرئتين. هناك، تتسبب هذه الجراثيم في عدوى تصيب أصغر حجرات الرئة. إذ تُطلق سموماً وإنزيمات تضر بأنسجة الرئة. يمكن لهذه الجراثيم أن تنتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم، مثل المخ أو الكلى أو القلب أو الجلد، مما يزيد من حدة العدوى. هذه قدرة مرعبة لفطر صغير.
تشمل أعراض العدوى الحمى والسعال وآلام الصدر. قد يعاني المصاب من صعوبة في التنفس أو يبدأ في سعال الدم. يمكن أن تسبب فطريات “أسبرجيلوس” أيضاً التهابات في الجلد والعينين. أعراض مقلقة تتطلب يقظة طبية.
من هم الأكثر عرضة للخطر؟
تستطيع أجهزتنا المناعية عادةً محاربة عدوى “أسبرجيلوس”. لكن الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة يواجهون خطراً أكبر للإصابة بالعدوى. هذا يشمل مرضى العلاج الكيماوي، أو من يتلقون أدوية الكورتيزون، أو خاضعين لعمليات زرع الأعضاء أو نخاع العظم. مرضى زراعة الأعضاء تحديداً يعتبرون الأكثر عرضة للخطر.
يحدث ذلك لأن جهازهم المناعي يضعف عمداً لمنع الجسم من رفض العضو المزروع. إذا استنشقوا جراثيم “أسبرجيلوس”، يتمكن الفطر من التمكن بسهولة أكبر من رئتيهم. هذا يضعهم في مرمى الخطر المباشر. لاحظ الباحثون أن الجراثيم الكامنة في رئتي مرضى زراعة الأعضاء قد تسبب العدوى أيضاً عند تنشيطها، لكن السلطات الصحية لم تُشر إلى حدوث ذلك في مستشفى سيدني.
أظهرت دراسة أمريكية واسعة أن 59% فقط من متلقي زراعة الأعضاء و25% من مرضى زراعة نخاع العظم بقوا على قيد الحياة بعد عام واحد من الإصابة بمرض الأسبرجيلوسيس الغازي. أرقام تكشف قسوة المعركة. كما قد يصاب مرضى الربو بحساسية تجاه “أسبرجيلوس” حتى لو كانت أجهزتهم المناعية سليمة. ويتسبب الفطر في ردود فعل تحسسية حادة لدى المصابين بالتليف الكيسي، وهو مرض وراثي تسد فيه الإفرازات اللزجة مجاري التنفس لديهم. كذلك، يزيد خطر الإصابة بعدوى “أسبرجيلوس” لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض رئوية أخرى مثل الدرن أو الإنفلونزا أو كوفيد-19.
ما هي خيارات العلاج المتاحة؟
يمكن علاج عدوى “أسبرجيلوس” بأدوية مضادة للفطريات مثل الإيتراكونازول وأدوية الكورتيزون. هذا العلاج يكون أكثر فعالية عند اكتشاف العدوى مبكراً. لكن الباحثين رصدوا سلالات من فطر “أسبرجيلوس” لا تستجيب لهذا النوع من العلاج. مقاومة الفطريات للأدوية تمثل مشكلة ملحة، وتهديداً متزايداً للجهود العلاجية في كافة أنحاء العالم، بما فيها مستشفياتنا العربية.
ماذا يجب أن نعرف أيضاً؟
تعد عدوى “أسبرجيلوس” نادرة نسبياً بين عامة الناس، وأكثر ندرة في المستشفيات التي عادة ما تكون مجهزة بفلاتر هواء متطورة، أو مرشحات هوائية عالية الكفاءة (HEPA)، تلتقط وتزيل الجزيئات الضارة المحتملة من الهواء. ومع ذلك، قد تؤدي أعمال البناء إلى إثارة التربة بالقرب من المستشفى أو حوله، مما يطلق أعداداً كبيرة من جراثيم “أسبرجيلوس” في الهواء. هذا يزيد من خطر حدوث تفشيات للعدوى داخل المستشفيات. يبقى الغموض يكتنف ما إذا كان هذا ما حدث تحديداً في مستشفى رويال برينس ألفريد. وهي مخاطرة لا يستهان بها في بيئاتنا العمرانية المزدحمة.









