اقتصاد

فرنسا على حافة الهاوية: ماكرون يراهن على ليكورنو في مهمة “شبه مستحيلة”

في خطوة تكشف عمق المأزق السياسي الذي يضرب فرنسا، ألقى الرئيس إيمانويل ماكرون بطوق النجاة الأخير لحليفه الوسطي سيباستيان ليكورنو، معيدًا تكليفه برئاسة الوزراء. مهمة تبدو “شبه مستحيلة” لإنقاذ سفينة الحكم من الغرق في بحر الانقسام البرلماني وتجنب شبح الانتخابات المبكرة.

يقف سيباستيان ليكورنو الآن أمام تحدٍ مصيري، حيث يُنتظر منه أن يقدم مقترح ميزانية 2026 يوم الإثنين المقبل، في سباق مع الزمن لإقرارها بالطرق التشريعية المعتادة قبل نهاية العام. الفشل في هذه المهمة يعني أن الجمعية الوطنية (البرلمان) قد تضطر للجوء إلى إقرار مشروع قانون طارئ فقط للحفاظ على استمرارية تمويل أجهزة الدولة، وهو ما يمثل هزيمة سياسية مدوية للحكومة.

رهان أخير لتجنب الانهيار

يُنظر إلى إعادة تكليف ليكورنو على أنها مناورة أخيرة من إيمانويل ماكرون لتحقيق توازن سياسي هش يمنع انهيار الحكومة المقبلة. فالفشل هذه المرة لن يترك للرئيس خيارات كثيرة، وسيدفع فرنسا حتمًا نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي، قد تكون الانتخابات المبكرة هي فصلها الأول والأكثر خطورة.

وفي تصريح يعكس حجم الضغط، قال ليكورنو عبر منصات التواصل الاجتماعي: “يجب أن نضع حداً لهذه الأزمة السياسية التي تُنهك الشعب الفرنسي، ولهذه الفوضى التي تضر بصورة فرنسا ومصالحها”. كلمات تحمل في طياتها اعترافًا بأن البلاد وصلت إلى مفترق طرق حاسم.

خيارات ماكرون المحدودة

في حال عجز رئيس الوزراء عن تشكيل حكومة قادرة على نيل الثقة وتمرير الميزانية، سيجد ماكرون نفسه محاصرًا بين ثلاثة خيارات مريرة، سبق وأن استبعد أحدها بشكل قاطع:

  • الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وهي مغامرة محفوفة بالمخاطر.
  • تعيين رئيس وزراء جديد، في محاولة أخرى قد لا تكون أفضل حظًا.
  • الاستقالة من منصبه، وهو الخيار الذي رفضه ماكرون تمامًا.

كواليس أسبوع سياسي عاصف

يأتي هذا التكليف بعد أسبوع من المفاوضات السياسية المحمومة في أروقة باريس، والتي أعقبت استقالة ليكورنو المفاجئة يوم الإثنين الماضي. حينها، ألقى رئيس الوزراء المستقيل باللوم على تعنت الكتل السياسية في الجمعية الوطنية، محملاً إياها مسؤولية فشل تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وكانت تلك الاستقالة قد جاءت بعد أقل من 24 ساعة على إعلان ماكرون عن حكومة جديدة غلب عليها الموالون لتياره الوسطي، في خطوة اعتبرتها المعارضة تجاهلًا تامًا لنتائج الانتخابات الأخيرة وتحذيراتها من مواصلة نفس النهج السياسي السابق دون تغيير حقيقي.

صراع الطموحات وشبح انتخابات 2027

الطريق أمام ليكورنو ليس مفروشًا بالورود، فالبرلمان الفرنسي منقسم بشكل غير مسبوق بين كتل متصارعة، لا تسعى لتقديم تنازلات بقدر ما تسعى لتعزيز مواقعها استعدادًا لمعركة الانتخابات الرئاسية 2027 الحاسمة. هذا الصراع المبكر على خلافة ماكرون هو المحرك الخفي للأزمة الحالية.

وقد أشار ليكورنو بوضوح إلى هذه المعضلة قائلًا: “جميع الطموحات مشروعة ومفيدة، لكن من ينضم إلى الحكومة يجب أن يتعهد بالتخلي مؤقتًا عن طموحاته للانتخابات الرئاسية لعام 2027”. دعوة صريحة لوضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الشخصية والسياسية الضيقة.

ولتحقيق أي استقرار، يتعين على ليكورنو إنجاز مهمة شبه مستحيلة، وهي بناء جسور مع الجمهوريين (وسط اليمين) والاشتراكيين (وسط اليسار)، الحزبين اللذين شكلا الحياة السياسية الفرنسية لعقود قبل صعود ماكرون. وفي الوقت نفسه، أكدت قوى اليسار المتطرف واليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان عزمها على إسقاط أي حكومة يتم تشكيلها، بهدف جر البلاد نحو انتخابات جديدة قد تعزز من مكاسبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *