غليان في محطات الوقود البريطانية.. الديزل يقود رحلة الصعود المؤلمة

صراع الشرق الأوسط يضغط على الإمدادات والضرائب الحكومية تزيد العبء على المستهلكين

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

يبدو أن رحلة الصعود المؤلمة لأسعار الوقود في بريطانيا لم تبلغ ذروتها بعد، فالمحطات تستعد لموجة غلاء جديدة مدفوعة باضطرابات الأسواق العالمية واشتعال الجبهات الجيوسياسية. ورغم أن الحديث عن نقص في الكميات مستبعد حالياً بفضل استقرار سلاسل التوريد، إلا أن المستهلك سيظل رهيناً لتقلبات أسعار الجملة التي لا ترحم، في ظل عجز حكومي عن تقديم حلول جذرية تلوح في الأفق القريب.

الديزل يمثل رأس الحربة في هذه الأزمة المتصاعدة، حيث قفزت أسعاره في السوق العالمي بشكل جنوني بمعدل تجاوز 250 دولاراً للطن خلال أسبوع واحد فقط. بريطانيا تجد نفسها اليوم في موقف مكشوف تماماً أمام هذه الضغوط، كونها تستورد السواد الأعظم من احتياجاتها من الديزل من الخارج، على عكس البنزين الذي تعتمد فيه على مصافيها المحلية بشكل أكبر. هذا الاعتماد جعل وقود الشاحنات والنقل عرضة مباشرة لتبعات الصراع في الشرق الأوسط، الذي تسبب في منافسة عالمية شرسة على الشحنات المتاحة، مما يرفع كلفة الشحن والخدمات اللوجستية ويغذي التضخم بشكل غير مباشر.

رابطة بائعي التجزئة للوقود لم تجمّل الواقع القاسي؛ فالتوقعات تشير بوضوح إلى أن التجار سيضطرون لرفع الأسعار تدريجياً تماشياً مع كلفة المخزونات الجديدة التي يشترونها بأسعار مرتفعة. لا يمكن للمحطات أن تتحمل البيع بخسارة في ظل ضيق هوامش الربح، وهذا يعني أن السائق البريطاني سيشعر بالضربة في جيبه خلال الأيام المقبلة. وبينما تراقب الأسواق بحذر تحركات النفط الخام، تبرز آمال خجولة بتهدئة التوترات السياسية بعد إشارات دبلوماسية مع الجانب الإيراني، لكن التاريخ يؤكد أن انعكاس انخفاض الأسعار العالمية على “المضخات” يتسم دوماً بالبطء والتعقيد مقارنة بسرعة القفزات عند الارتفاع.

الأرقام الميدانية تكشف أن البنزين الخالي من الرصاص كسر حاجز 147 بنساً للتر، بينما حلق الديزل فوق مستوى 171 بنساً، وهو أعلى مستوى له منذ مطلع العام الماضي. التوقعات المتشائمة ترجح وصول لتر البنزين إلى عتبة 150 بنساً والديزل إلى 180 بنساً قبل عطلة عيد الفصح. هذه الزيادات ليست مجرد أرقام عابرة، بل هي عبء إضافي يثقل كاهل الأسر التي تعاني أصلاً من أزمة تكلفة معيشة خانقة، خاصة وأن أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي سجلت قفزات كبرى خلال الشهر الجاري بنسب تتراوح بين 50% و100%.

الحكومة البريطانية من جهتها تكتفي بمراقبة هوامش ربح الشركات، بينما تواجه ضغوطاً شعبية وسياسية لتقديم حلول حقيقية بدلاً من الوعود الإنشائية. الضرائب تشكل حالياً نحو نصف ما يدفعه السائق عند تعبئة خزانه، ومع اقتراب موعد التراجع عن خفض ضريبة الوقود المؤقت في سبتمبر، يزداد المشهد قتامة. وبينما تجتمع اللجان الحكومية لبحث تداعيات الوضع في الشرق الأوسط، تظل الحقيقة الماثلة هي أن الاقتصاد البريطاني يظل عرضة لاهتزازات خارجية تتجاوز حدود سيطرته، مما يجعل أي حديث عن الاستقرار المالي مجرد مسكنات مؤقتة في سوق تلتهمه نيران الأزمات الدولية.

Exit mobile version