غزة تحت الأنقاض: عامان من التدمير يغيران وجه القطاع بلا رجعة

على مدار عامين كاملين، عكف جيش الاحتلال الإسرائيلي على تحويل قطاع غزة إلى ركام، في حملة تدمير ممنهجة جعلت الحياة فيه أشبه بالمستحيل. هذه الكارثة أجبرت الغالبية العظمى من السكان على النزوح، هربًا من القتل والتشريد، بينما أسفرت حملات القصف البرية والجوية عن استشهاد نحو 67 ألف فلسطيني، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.
هذه الحرب الغاشمة التي شنها الاحتلال جاءت ردًا على هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 إسرائيلي وأسر 251 آخرين. اعتبرت إسرائيل هذا الهجوم ذريعة لتدمير القطاع بالكامل، تحت مزاعم القضاء على القدرات العسكرية والحكومية لحماس.
غزة، هذا الشريط الساحلي الضيق الذي لا يتجاوز طوله 41 كيلومترًا وعرضه 10 كيلومترات، أي ما يعادل ربع مساحة لندن تقريبًا، محاط بحدود مغلقة مع إسرائيل ومصر من ثلاث جهات، وبالبحر الأبيض المتوسط من الغرب حيث تفرض إسرائيل حصارًا خانقًا. يسكن هذا القطاع المكتظ أكثر من مليوني نسمة، عانوا لعقود من الحصار والقيود.
تشير تقديرات شبكة بي بي سي البريطانية إلى أن أكثر من 90% من المنازل في غزة قد تضررت أو دُمرت كليًا، بينما انهارت أنظمة الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والنظافة بشكل كامل. هذا الوضع المأساوي دفع خبراء مدعومين من الأمم المتحدة للتأكيد على وجود مجاعة حقيقية في مدينة غزة.
وفي تقرير خطير، أكدت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة. ورغم رفض إسرائيل لهذا التقرير ووصفه بأنه “مُشوّه وكاذب”، إلا أن الحقائق على الأرض تروي قصة أخرى من الدمار والإبادة.
كيف انتشر الدمار في غزة؟
في البداية، تركزت الحملة الإسرائيلية على شمال غزة، حيث ادعت إسرائيل أن مقاتلي حماس كانوا يختبئون بين السكان المدنيين، وهو ما نفته الحركة مرارًا وتكرارًا. كانت بلدة بيت حانون الشمالية، التي تبعد كيلومترين فقط عن الحدود، من أوائل المناطق التي تعرضت لغارات إسرائيلية عنيفة، ولحقت بها أضرار جسيمة.
واصلت إسرائيل قصف مدينة غزة وغيرها من المراكز الحضرية في الشمال، وأمرت المدنيين بالتحرك جنوب نهر وادي غزة قبل أن تشن غزوها البري في نهاية أكتوبر 2023. لكن المفارقة المأساوية أن الاحتلال كان في الوقت ذاته يشن غارات جوية على المدن الجنوبية التي كان مئات الآلاف من سكان غزة يفرون إليها من الشمال.
بحلول نهاية نوفمبر 2023، تحولت أجزاء واسعة من جنوب القطاع إلى أنقاض، تمامًا مثل معظم شماله. كثفت إسرائيل قصفها على جنوب ووسط غزة في بداية شهر ديسمبر، قبل أن تشن هجومًا بريًا واسع النطاق على خان يونس. وبحلول يناير 2024، كان أكثر من نصف المباني في غزة قد تضرر أو دمر بالكامل.
عند إعلان وقف إطلاق النار في يناير 2025، قُدِّرت نسبة الأضرار التي لحقت بـ 60% من المباني في قطاع غزة، وكانت مدينة غزة الأكثر تضررًا. في ذلك الحين، كان قد استشهد أكثر من 46 ألف فلسطيني، وفقًا لوزارة الصحة في غزة، لكن الرقم استمر في الارتفاع.
استمر الدمار بلا هوادة منذ أن أنهت إسرائيل وقف إطلاق النار في مارس 2025، بما في ذلك في رفح جنوبًا، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من الوحدات السكنية في غزة تضررت خلال الحرب. سُوّيت أحياء بأكملها بالأرض، ودُمّرت مستشفيات ومساجد، وحُوّلت الأراضي الزراعية إلى رمال وأنقاض بفعل المركبات الثقيلة والدبابات الإسرائيلية.
ادعت إسرائيل أن حماس تستخدم المباني المدنية لأغراض عسكرية، وهو ما نفته الحركة باستمرار، لكن ذلك لم يمنع آلة الدمار من المضي قدمًا في هدم كل ما هو مدني وحيوي بالقطاع.
مأساة النزوح المستمرة
قبل الحرب، كان معظم سكان غزة، البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، يعيشون في مدنها الرئيسية الأربع: رفح وخان يونس جنوبًا، ودير البلح وسطًا، ومدينة غزة شمالًا. في غضون عشرة أيام فقط من 7 أكتوبر 2023، أجبر الهجوم الإسرائيلي ما يقرب من نصف السكان على مغادرة منازلهم، وفقًا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
بحلول الوقت الذي أُعلن فيه وقف إطلاق النار بعد 15 شهرًا، كان عدد النازحين داخليًا قد بلغ نحو 1.9 مليون شخص، وهم ما زالوا غير قادرين على العودة إلى ديارهم التي تحولت إلى أنقاض. انتقلت العائلات عدة مرات عندما غيرت إسرائيل تركيز عمليتها، حيث طلبت في البداية من الناس في الشمال الانتقال إلى جنوب نهر وادي غزة، ثم أمرت الناس لاحقًا بمغادرة سلسلة من “مناطق الإخلاء” في الجنوب.
ألقى الجيش الإسرائيلي منشورات تحذر السكان من مغادرة المنطقة قبل بدء العمليات، ومع ذلك، لم تسبق جميع الغارات الإسرائيلية تحذيرات، مما أوقع عددًا كبيرًا من الضحايا بين المدنيين الذين لم يتمكنوا من الفرار.
المناطق المحظورة تتسع
منذ أن أنهت إسرائيل وقف إطلاق النار، خصصت المزيد من مناطق غزة كمناطق محظورة حيث توجد قيود مشددة، أو جعلتها خاضعة لأوامر التهجير، مما يعني أنه طُلب من سكان غزة المغادرة تمامًا. في البداية، غطت أوامر الإخلاء منطقتين في محافظتي شمال غزة وخان يونس، مع وجود منطقة “محظورة” على طول الحدود بأكملها.
كما منعت إسرائيل أي مساعدات إنسانية من دخول غزة في بداية شهر مارس 2025، متهمة حماس بالاستيلاء عليها، مما فاقم من الأزمة الإنسانية. أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 16 أبريل الماضي، أن إسرائيل ستقيم مناطق أمنية في غزة لتوفير “منطقة عازلة” لحماية التجمعات السكانية الإسرائيلية حتى بعد انتهاء الحرب، وهو ما ترفضه حماس التي تصر على انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة في ظل أي وقف دائم لإطلاق النار.
في ذلك الوقت، تأثر ما يقرب من 70% من غزة بالقيود الإسرائيلية، بما في ذلك معظم محافظتي شمال غزة ومدينة غزة، وكامل محافظة رفح في الجنوب، وفقًا للأمم المتحدة. وفي مايو 2025، شنت إسرائيل هجومًا بريًا باسم عملية “عربات جدعون”، والتي قال نتنياهو إنها تهدف إلى تأمين إطلاق سراح الأسرى الـ48 المتبقين و”إكمال هزيمة” حماس. ومنذ ذلك الحين، وُسِّعت المناطق التي تشملها أوامر التهجير والقيود الأخرى.
ركزت المرحلة الأولى من العملية على ما زعم الاحتلال أنه أهداف في رفح وخان يونس وشمال غزة، لكن في أغسطس 2025، أعلنت إسرائيل خططًا للسيطرة على مدينة غزة نفسها واحتلالها، والتي وصفتها بأنها “المعقل الأخير” لحماس. كانت هذه المدينة هي أكثر مناطق القطاع كثافة سكانية قبل الحرب، حيث كان يسكنها 775 ألف نسمة.
اليوم، في أكتوبر 2025، تشمل المناطق الخاضعة لقيود وأوامر إخلاء كامل محافظتي شمال غزة ومدينة غزة، بالإضافة إلى كامل رفح تقريبًا وغرب خان يونس ودير البلح، ولم يتبق سوى شريط ضيق من منطقة المواصي جنوب شرق غزة خارج القيود الإسرائيلية. لقد أصبحت غزة منطقة غير قابلة للحياة، في ظل دمار شامل وتهجير مستمر، مما يضع مستقبل سكانها على المحك.























