عرب وعالم

غرينلاند تضع العلاقات عبر الأطلسي على المحك: الناتو يسعى لاحتواء التوتر قبل دافوس

أزمة غرينلاند: الناتو يتدخل لتهدئة التوتر بين واشنطن وأوروبا قبل قمة دافوس

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

دخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) مرحلة احتواء في خضم التوتر المتصاعد بين واشنطن وعدد من الشركاء الأوروبيين بشأن قضية غرينلاند. أكد الأمين العام للحلف، مارك روته، أنه أجرى محادثة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “بشأن الوضع الأمني في غرينلاند والقطب الشمالي”. وأشار روته إلى أن الطرفين سيواصلان العمل على هذا الملف، مع ترقب لقاء مباشر جديد خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال الأيام القادمة. هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة: الناتو يسعى لإبقاء النقاش ضمن إطار الأمن الجماعي، لتجنب تحوله إلى صدام سياسي مباشر قد يهدد تماسك الحلف.

تأتي مبادرة روته في وقت تحول فيه الخطاب من مجرد تصريحات إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي. تُفسر التطورات في أوروبا بأن المسألة لم تعد تقتصر على “الاهتمام” الأمريكي بالقطب الشمالي، بل تتعداه إلى استخدام الرسوم الجمركية كأداة للضغط من أجل فرض مواقف سياسية. هذا المزيج من الأمن والتجارة يُعد حساسًا للغاية، كونه يمس ركيزتين أساسيتين: مصداقية الردع واستقرار العلاقات التجارية عبر الأطلسي.

رسوم جمركية وغرينلاند: أوروبا تحذر من “دوامة خطيرة”

في نهاية الأسبوع، أصدرت مجموعة من الدول الأوروبية، بما في ذلك الدنمارك وعدد من الشركاء الشماليين والأساسيين في الاتحاد، بيانًا مشتركًا حذرت فيه من أن التهديد بفرض رسوم جمركية مرتبطة بغرينلاند يمثل “دوامة خطيرة نحو الأسفل” قد تقوض العلاقات عبر الأطلسي. الفكرة الجوهرية هي أنه إذا تحول النزاع إلى الاقتصاد الحقيقي (الواردات، سلاسل التوريد، الإجراءات الانتقامية)، فإن التكلفة السياسية ستكون مضاعفة: على صعيد التنسيق الأمني وعلى صعيد ثقة الأعمال.

يتزامن هذا التوتر مع اجتماعات طارئة ومشاورات دبلوماسية مكثفة في أوروبا لتحديد رد موحد. وفي موازاة ذلك، تتزايد الرسائل الداعية إلى التضامن مع الدنمارك وشعب غرينلاند، حيث أصبح مبدأ السيادة خطًا أحمر يمنع تحويل النقاش إلى مجرد مساومة على “الثمن”. وقد أفادت وسائل إعلام دولية بأن الاتحاد الأوروبي يدرس تفعيل أدوات الرد التجاري في حال تحولت التهديدات الجمركية إلى واقع ملموس.

لماذا أصبحت غرينلاند “نقطة ضغط” هذا العام؟

تحولت غرينلاند إلى أصل استراتيجي لثلاثة أسباب متداخلة حاليًا. أولاً، موقعها في القطب الشمالي حاسم للممرات البحرية والمراقبة. ثانيًا، رفع السياق الجيوسياسي من قيمة أي موقع قادر على تعزيز السيطرة على شمال الأطلسي. ثالثًا، يعمل القطب الشمالي كـ “شاشة عرض” تتجلى عليها تنافسات أوسع: تخشى أوروبا أن يُستخدم النقاش لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية في الناتو، بينما تصر واشنطن على أن أمن الشمال يمثل هدفًا محوريًا.

دافع روته، في تصريحاته الأخيرة، عن ضرورة ألا يقتصر التركيز على جزيرة واحدة، بل أن يشمل أمن “الشمال الأقصى” ككل، مع التنسيق بين الحلفاء. هذه النقطة ذات أهمية لأنها تتيح لحلف الناتو إعادة توجيه النقاش: تقليل التركيز على “الملكية” وزيادة المسؤولية المشتركة في القدرات والوجود والردع.

دافوس المحطة التالية: دبلوماسية متسارعة ومخاطر العناوين الصادمة

إشارة روته إلى دافوس ليست تفصيلاً عابرًا. فمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي يتحول، بحكم الأمر الواقع، إلى منصة للدبلوماسية السريعة، حيث يلتقي القادة والمسؤولون الاقتصاديون وتتعاظم رسائلهم في الوقت الفعلي. وبالنسبة لحلف الناتو، يوفر هذا اللقاء فرصة لمواءمة الخطابات وتجنب تدهور الأجندة إلى سلسلة من العناوين الصادمة (رسوم جمركية، تهديدات، مقترحات مضادة) التي قد تؤدي إلى تصلب المواقف.

كما يمثل المنتدى ساحة للمخاطر؛ فكل فارق بسيط قد يُفسر كتنازل أو تحدٍ. لهذا السبب، سيُركز الأمين العام على فكرتين أساسيتين: أن أمن القطب الشمالي يتطلب تعاونًا بين الحلفاء، وأن أي رد يجب أن يستند إلى الشرعية الدولية والوحدة الاستراتيجية، لا إلى صراعات ثنائية تفتت الأعضاء.

تأثيرات محتملة على الأسواق والسياسة هذا الأسبوع

تتجلى التداعيات الاقتصادية بشكل متزايد. فتهديد الرسوم الجمركية يثير حالة من عدم اليقين في القطاعات المعرضة للتجارة عبر الأطلسي، بينما تطالب الشركات بوضوح بشأن الجداول الزمنية والنطاق والاستثناءات. وفي موازاة ذلك، توازن الحكومات بين الحزم وتهدئة التصعيد؛ فالتنازل يضع سابقة، لكن التصعيد قد يلوث أجندات أخرى (الدفاع، الطاقة، التكنولوجيا).

من الناحية السياسية، تعمل مكالمة روته كـ “جدار حماية”؛ فهي تسعى لاحتواء النزاع ضمن نطاق الناتو ووقف تآكل الثقة بين الحلفاء. على المدى القصير، سيتركز الاهتمام على ما إذا كان منتدى دافوس سيفتح مسارًا للتفاهم، كزيادة التنسيق الأمني في القطب الشمالي، أو ما إذا كان النزاع سينتقل، على العكس، إلى جبهة تجارية جديدة ذات تأثيرات فورية على العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا.

حتى الآن، الرسالة واضحة لا لبس فيها: الناتو لا يريد أن تكون غرينلاند النقطة التي تنقطع عندها الروابط عبر الأطلسي. وفي هذه المرحلة، كل اتصال يحمل أهمية بالغة.

رسوم جمركية

مقالات ذات صلة