عرب وعالم

صناعة الدفاع اليابانية: طوكيو تعزز قدراتها بتكنولوجيا الاستخدام المزدوج

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

تجد اليابان نفسها في قلب بيئة سياسية متوترة، محاطة بمخاوف متزايدة بشأن استيلاء الصين المحتمل على تايوان، إلى جانب التهديدات المستمرة من كوريا الشمالية وروسيا. هذا الواقع الجيوسياسي دفع حكومة طوكيو نحو تحول استراتيجي هام، يتمثل في تسريع وتيرة تطوير منتجات ذات تطبيقات مدنية وعسكرية، في خطوة تهدف لتعزيز صناعة الدفاع اليابانية وقدراتها الأمنية.

هذا التوجه نحو “الاستخدام المزدوج” يشمل أنظمة الملاحة ذاتية القيادة، التي يمكنها توجيه السيارات أو الصواريخ بدقة متناهية، وكذلك المواد المتقدمة مثل الألياف عالية القوة المستخدمة في صناعة الملابس المدنية والطائرات المقاتلة على حد سواء. إنها مقاربة عملية تكسر حواجز تقليدية لطالما قيدت طموحات اليابان الدفاعية.

تحول تاريخي في السياسة الدفاعية

لطالما اتسمت اليابان بالحذر في مجال الدفاع، مع عدد قليل من الشركات الناشئة وحظر صارم على صناعة الأسلحة وصادراتها. بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، تخلت البلاد عن حقها في شن الحرب واعتمدت “دستور السلام” الذي صاغته الولايات المتحدة، والذي ظل حجر الزاوية في سياستها حتى وقت قريب.

ورغم إعادة بناء جيشها بحلول السبعينيات، والذي يُعرف الآن بـ “قوات الدفاع الذاتي” ويرتبط بقوة بالمساعدة في الكوارث الطبيعية، إلا أن قيوده بقيت واضحة. فعدد قليل من المتعاقدين اليابانيين يزودون هذه القوات بالأسلحة، وتعتمد البلاد بشكل كبير على استيراد المعدات من الولايات المتحدة، مع معارضة تاريخية من جهات مثل مجلس العلوم الياباني لبرامج البحث العسكري.

لكن المشهد يتغير الآن، فاستطلاعات الرأي تظهر دعماً شعبياً متزايداً لدفاع أقوى. وقد دعت زعيمة الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، ساناي تاكايتشي، إلى زيادة الإنفاق العسكري وتعديل الدستور ليقر بحق اليابان في امتلاك جيش حقيقي، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في المزاج العام والسياسي.

مبادرات حكومية لتعزيز الابتكار

في هذا السياق المتغير، يزداد الاهتمام ببرنامج حكومي، كان متعثراً في السابق، لدعم المبادرات البحثية التي تخدم الدفاع الوطني. ورغم ميزانيته المتواضعة التي تبلغ 11.4 مليار ين (حوالي 77.1 مليون دولار)، فقد شهد البرنامج قفزة في عدد طلبات الشركات الخاصة، حيث وصلت إلى 134 طلباً هذا العام حتى يونيو الماضي، مقارنة بـ 49 طلباً فقط في عام 2021 بأكمله.

كما أطلقت اليابان في أكتوبر 2024 “معهد علوم وتكنولوجيا الابتكار الدفاعي”، مستلهمة نموذج وكالات وزارة الدفاع الأمريكية التي تسعى لاستغلال التقنيات الناشئة لتعزيز الأمن القومي. تلعب وكالة الاستحواذ والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية بوزارة الدفاع اليابانية دوراً محورياً في ربط الشركات الناشئة بأصحاب رؤوس الأموال المغامرة، إيماناً منها بضرورة بناء علاقة “مفيدة للطرفين” مع هذه الشركات.

تحديات وفرص في مشهد الاستثمار

رغم هذه الجهود، تواجه صناعة الدفاع اليابانية تحديات تمويلية، فقيود تصدير الأسلحة قللت من الأسواق المحتملة، ما أبقى على ندرة الأموال الخاصة. بلغ إجمالي التمويل للشركات الناشئة في اليابان العام الماضي 5.3 مليار دولار، وهو ما يعادل 2.5% فقط من نظيره في الولايات المتحدة.

تتكون صناعة رأس المال المغامر اليابانية في الغالب من شركات مملوكة لمؤسسات مالية أو شركات كبرى، وتفرض العديد من صناديق رأس المال المغامر قيوداً داخلية على الاستثمارات في الشركات التي تعمل على التكنولوجيا العسكرية، مما يزيد من صعوبة الحصول على التمويل اللازم للشركات الناشئة في هذا المجال.

لكن بصيص الأمل يظهر من خلال شركات مثل “كورال كابيتال” التي استثمرت في شركتي “أوشيانك كونستليشنز” لتصنيع الطائرات البحرية بدون طيار، و”أوكوما دايموند ديفايس” المنتجة لأشباه موصلات موفرة للطاقة من الماس يمكن استخدامها دفاعياً. هذه الاستثمارات تعكس إيماناً بقدرة اليابان الهندسية والتكنولوجية على منحها ميزة تنافسية في قطاع الدفاع الناشئ.

كما تعمل شركة “إليفيشن سبيس” على تطوير وحدات قابلة لإعادة الاستخدام لنقل الحمولات إلى محطات الفضاء، وهي تقنية واعدة للدفاع ضد الأسلحة الأسرع من الصوت. وقد أعلن كازوناري ميامارو، الرئيس التنفيذي للعمليات، عن تواصله مع وزارة الدفاع وشركة إم بي دي إيه الفرنسية لأنظمة الصواريخ، مؤكداً على ضرورة التعاون لمواجهة التهديدات الجوية الجديدة.

في إنجاز تاريخي، أعلنت أستراليا في أغسطس الماضي خططاً لشراء أسطول من السفن الحربية من اتحاد ياباني بقيادة شركة “ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة المحدودة”. هذه الصفقة هي ثاني صفقة تصدير دفاعية كبرى لليابان منذ الحرب العالمية الثانية، وأصبحت ممكنة بفضل إعفاء خاص من قيود تصدير الأسلحة، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدفاعي الدولي.

تطلعات مستقبلية ودعم دولي

يأتي هذا التوجه في ظل ضغوط أمريكية على اليابان لتقليل اعتمادها على الحماية الأمريكية وتعزيز قدراتها الذاتية. في عام 2022، أعلنت الحكومة اليابانية عزمها رفع الإنفاق الدفاعي من سقف غير رسمي قدره 1% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2% على مدى خمس سنوات، وهو قرار سيوفر مليارات الدولارات لشراء معدات جديدة مثل الصواريخ بعيدة المدى والأقمار الصناعية العسكرية، بالإضافة إلى دعم بناء قاعدة صناعة دفاع يابانية محلية أقوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *