شلل الطيران الأمريكي: حينما تهبط أزمة واشنطن السياسية في المطارات
تداعيات الإغلاق الحكومي الأمريكي تتجاوز السياسة لتعصف بقطاع الطيران وتهدد بشلل اقتصادي واسع قبيل عطلات نهاية العام.

في انعكاس مباشر للأزمة السياسية المستعصية في واشنطن، بدأ الشلل يدب في شرايين قطاع الطيران الأمريكي، حيث تحولت تداعيات الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ البلاد من مجرد خلاف سياسي إلى أزمة لوجستية واقتصادية تهدد بتعطيل حركة ملايين المسافرين والاقتصاد ككل.
تداعيات مباشرة في الأجواء
أعلنت شركات الطيران الأمريكية عن إلغاء ما لا يقل عن 1,460 رحلة جوية، استجابةً لقرار إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) بخفض وتيرة الحركة الجوية. هذا الإجراء، الذي وُصف بالضروري، يأتي نتيجة النقص الحاد في أعداد موظفي المراقبة الجوية، الذين يمثلون عصب تنظيم الأجواء المزدحمة في الولايات المتحدة.
وبحسب تقارير ميدانية، فإن التأثيرات لم تقتصر على مطارات بعينها، بل امتدت لتشمل شبكة من 12 مدينة رئيسية، من بينها مراكز حيوية مثل نيويورك، شيكاغو، وأتلانتا. إلا أن مطار شارلوت في نورث كارولينا كان الأكثر تضررًا، حيث شهد وحده إلغاء 120 رحلة في الساعات الأولى من النهار، مما يرسم صورة قاتمة لما قد يحدث إذا استمر الإغلاق الحكومي.
العنصر البشري في قلب الأزمة
خلف الأرقام والإلغاءات، تكمن أزمة إنسانية متفاقمة. يعمل نحو 13 ألف مراقب جوي و50 ألف موظف أمن في المطارات دون تقاضي رواتبهم منذ ما يقرب من شهر. هذا الوضع دفع الكثيرين منهم، وفقًا لجمعية مراقبي الحركة الجوية الوطنية (NATCA)، إلى الإبلاغ عن إجازات مرضية أو البحث عن مصادر دخل بديلة، مما أدى إلى نقص حاد في الكوادر التشغيلية الحيوية.
وفي هذا السياق، يوضح المحلل الاقتصادي سمير العبيدي لـ “نيل نيوز” أن “ما نشهده ليس مجرد إضراب صامت، بل هو مؤشر على أن البنية التحتية الحيوية للدولة لا يمكنها العمل بمعزل عن الاستقرار السياسي. إنها لحظة كاشفة تظهر كيف يمكن للخلافات السياسية أن تتحول إلى تهديد مباشر للاقتصاد وسلامة المواطنين”.
مخاوف من شلل اقتصادي أوسع
يحذر مراقبون من أن الاضطرابات الحالية قد تكون مجرد بداية. فمع اقتراب عطلة عيد الشكر، وهي أحد أكثر مواسم السفر ازدحامًا، فإن استمرار الأزمة يهدد بشل حركة السفر وتعريض قطاع الطيران والسياحة لخسائر فادحة. ومن المتوقع أن ترتفع نسبة الإلغاءات من 4% حاليًا لتصل إلى 10% بنهاية الأسبوع، وهو ما قد يؤدي إلى تأثيرات متتالية تطال قطاعات أخرى مرتبطة.
في الختام، لم تعد أزمة الإغلاق الحكومي مجرد عنوان في نشرات الأخبار السياسية، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يعيشه المواطن الأمريكي في المطارات. إنها تكشف عن هشاشة الأنظمة الحيوية عندما تصبح ورقة مساومة في الصراعات السياسية، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة الإدارة الأمريكية على احتواء تداعيات قد تتجاوز حدودها قريبًا.









