شركات مياه تستعين بالمحضرين آلاف المرات لتحصيل الديون
بيانات جديدة تكشف تباينات حادة في ممارسات التحصيل وتثير قلق البرلمان

تكشف بيانات حديثة استعانة بعض شركات المياه “بالمحضرين القضائيين” أكثر من ستة آلاف مرة سنوياً، في مساعيها لتحصيل ديون العملاء المتراكمة. هذا رقم يثير القلق، خاصة وأن هذه الممارسات قد ترهق ميزانية الأسر التي تواجه صعوبة في دفع فاتورة لا تتجاوز بضع مئات من الجنيهات المصرية.
هذه المعلومات، التي جمعتها لجنة برلمانية، لم تكن متاحة للجمهور سابقاً. تظهر البيانات تبايناً حاداً في استخدام شركات المياه لهذه الآلية المثيرة للجدل.
لم تستعن شركة “ويستكس ووتر” بالمحضرين إطلاقاً على مدى العقد الماضي، وهو نهج يعكس مرونة لافتة. فيما لجأت شركة “ويلش ووتر” إليهم أقل من ألف مرة سنوياً بين عامي 2019 و2025.
على النقيض تماماً، استعانت شركة “ساوثرن ووتر” بالمحضرين 15,707 مرات عام 2019، وأكثر من ستة آلاف مرة في 2020، وتجاوزت خمسة آلاف مرة في 2023، ثم أكثر من ثمانية آلاف مرة في 2024، وأكثر من أربعة آلاف مرة العام الماضي. هذا التصاعد في الأرقام يضع عبئاً لا يستهان به على كاهل المستهلكين.
كشفت أرقام لجنة البيئة والغذاء والشؤون الريفية (“إيفرا”) شركات “يوركشاير ووتر”، و”يونايتد يوتيليتيز”، و”سيفيرن ترينت” ضمن الشركات التي لجأت للمحضرين أكثر من ستة آلاف مرة في عام واحد.
أشار النواب كذلك إلى شركتي “ساوث ويست ووتر/بينون” و”نورثمبريان ووتر” كأكثر الشركات استخداماً للمحضرين، في ممارسات تستدعي تدقيقاً أكبر.
استخدمت لجنة “إيفرا” نفوذها للكشف عن هذه الأرقام، حيث أوضح رئيس اللجنة، أليستير كارمايكل، أن شركات المياه لا تخضع لقانون حرية المعلومات “رغم تقديمها خدمة عامة أساسية”. هذا التعتيم على البيانات أمر يدعو للتساؤل حول مدى الشفافية.
وصف كارمايكل “مدى استخدام المحضرين” بأنه مقلق للغاية. أضاف أن هذه البيانات “يجب أن تُفهم في سياق صدمات غلاء المعيشة المتعددة التي أثرت على الأسر في السنوات الأخيرة”، وهو وضع لا يختلف كثيراً عن التحديات الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية في ظل ارتفاع أسعار الخدمات.
تابع كارمايكل: “تعرض أي أسرة أو فرد لإجراءات قانونية ليس بالأمر الهين، ويسبب ضغطاً نفسياً وقلقاً شديدين”.
حثت اللجنة أي شركة على “مراجعة ممارساتها لضمان أقصى قدر من التسامح والرأفة الممكنة” مع العملاء.
عام 2022، كلفت “سيفيرن ترينت” المحضرين 11,574 مرة، وكررت الأمر أكثر من سبعة آلاف مرة في العام التالي. تستعين “يونايتد يوتيليتيز” بالمحضرين أكثر من ستة آلاف مرة سنوياً منذ 2021. و”يوركشاير ووتر” فعلت ذلك العام الماضي وفي 2024.
بعد تعديل الأرقام بناءً على حجم السكان المحليين، وجدت اللجنة أن أكثر شركات المياه استخداماً للمحضرين في 2025 هي “ساوث ويست ووتر/بينون” و”ساوثرن ووتر” و”يوركشاير ووتر”. هذه الأرقام تعكس معدلاً مرتفعاً للاستعانة بالجهة القضائية مقارنة بقاعدة العملاء.
تراوح استخدام معظم شركات المياه والصرف الصحي الإنجليزية والويلزية، البالغ عددها 11 شركة، للمحضرين بين 500 و4,500 إجراء تحصيل قضائي لعامي 2024-2025.
المحضرون القضائيون، أو وكلاء التنفيذ، يعملون بتكليف من الشركات بناءً على أمر قضائي.
عادةً ما يُعفى العملاء المسجلون في سجل الخدمات ذات الأولوية، أو من يُعرفون بأنهم مرضى أو من ذوي الإعاقة أو كبار السن، من أوامر المحكمة. هذه حماية ضرورية، وإن كانت لا تشمل الجميع.
ذكرت شركات مثل “نورثمبريان” أنها لا تستخدم المحضرين ضد العملاء المعروفين بتلقيهم إعانات اجتماعية مبنية على الدخل. لكن “ساوثرن ووتر” أبلغت اللجنة أن هؤلاء العملاء مؤهلون للمقاضاة، مما يظهر تبايناً حاداً في السياسات ويفتح باباً للمخاطر على الفئات الأكثر ضعفاً.
وصل استخدام المحضرين على مستوى القطاع لذروته في عامي 2023 و2024، عقب انتهاء جائحة “كوفيد-19”.
أثار هذا الأمر تساؤلات، حيث قال كارمايكل: “لماذا تزايد استخدام المحضرين بهذه السرعة بعد الجائحة؟ هل بحث أحد في هذا الأمر حينها؟” سؤال جوهري لم يجد إجابة واضحة حتى الآن.
أعلن “مجلس المياه” عزمه دراسة بيانات اللجنة.
صرح آندي وايت، المسؤول البارز عن السياسات الاجتماعية في المجلس، أن “استخدام المحضرين يجب أن يكون الملاذ الأخير على الإطلاق، وفي الحالات التي يمكن لشركة المياه أن تثبت بوضوح أن العميل يمتنع عمداً ومستمر عن دفع فاتورته”.
أضاف: “لا ينبغي استخدامهم عندما يكون العميل في ظروف مالية صعبة أو هشة”، وهو ما يضع الشركات أمام مسؤولية أخلاقية واجتماعية.
ردود الشركات على هذه البيانات لم تخلُ من تبريرات.
أكدت “يوركشاير ووتر” أن “إجراءات التحصيل هي الملاذ الأخير”، وأنها تُستخدم فقط ضد العملاء الذين “لديهم القدرة على دفع فواتيرهم لكنهم يختارون عدم القيام بذلك”.
متحدث باسم “يونايتد يوتيليتيز” ذكر أن الشركة لا تتخذ إجراءات قانونية إلا ضد العملاء الذين تعتقد أن لديهم “الموارد المالية لدفع فواتيرهم”.
صرحت “ساوثرن ووتر” بأنها تعمل جاهدة لتقديم “الدعم اللازم للعملاء المتعثرين”. أضافت أن تحصيل الفواتير ضروري لتقديم تحسينات في الخدمة، وهي حجة مألوفة قد لا تقنع الكثيرين.
قالت “ساوث ويست ووتر”: “أرقام لجنة إيفرا لا تعكس زيارات فعلية للمحضرين، بل تشمل أيضاً إجراءات غير زيارية مثل خطط الدفع. نستخدم إجراءات التحصيل كملاذ أخير فقط. أولويتنا هي دعم العملاء المتعثرين دائماً”.
أبلغت “سيفيرن ترينت” النواب أنها تلقت ردود فعل إيجابية من “مجلس حماية مستهلكي المياه” بخصوص إدارتها لملفات العملاء الذين يقعون في الديون.
أوضحت الشركة أنها لا تسعى لاتخاذ إجراءات قانونية إلا ضد “الأقلية الصغيرة من العملاء الذين لا يدفعون فواتيرهم ولا يتفاعلون معنا بشكل بناء، رغم جهودنا المكثفة”.
وأخيراً، أبلغت “نورثمبريان ووتر” اللجنة أنها “ملتزمة بحماية العملاء في الظروف الهشة، وتعزيز القدرة على تحمل التكاليف، وضمان أن التحصيل يُستخدم كملاذ أخير فقط وبما يتماشى مع التوقعات التنظيمية والممارسات الجيدة”. هذا تأكيد على الالتزام، لكن الأرقام تظل تتحدث عن نفسها.









