في قفزة هائلة نحو مستقبل الطاقة النظيفة، كشف تقرير حديث عن توقعات بوصول قيمة سوق الهيدروجين العالمي إلى أرقام فلكية خلال العقود القادمة. هذا الوقود الواعد، الذي يوصف بأنه “وقود المستقبل”، يستعد لإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية ودفع عجلة التنمية المستدامة، ليصبح حجر الزاوية في معركة العالم ضد التغير المناخي.
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري تحليلًا معمقًا، أشار فيه إلى أن قيمة السوق العالمية للهيدروجين بلغت حوالي 230.61 مليار دولار في عام 2024. لكن الطفرة الحقيقية تكمن في المستقبل، حيث يتوقع الخبراء أن ترتفع هذه القيمة بشكل صاروخي لتصل إلى ما يقرب من 1.66 تريليون دولار بحلول عام 2050، مما يفتح آفاقًا استثمارية غير مسبوقة.
ولم تقتصر الأرقام المبشرة على القيمة السوقية فحسب، بل امتدت لتشمل حجم الإنتاج العالمي الذي شهد نموًا ملحوظًا. فقد ارتفع الإنتاج من 90.2 مليون طن في عام 2020 ليصل إلى 97.3 مليون طن في 2023، بزيادة قدرها 7.9%، مع توقعات باستمرار هذا النمو ليصل حجم الإنتاج إلى 148.6 مليون طن بحلول عام 2030، لتلبية الطلب المتزايد من القطاعات الصناعية المختلفة.
الهيدروجين: محرك رئيسي في مسيرة تحول الطاقة
أكد التقرير على الدور المحوري الذي يلعبه الهيدروجين في عملية تحول الطاقة العالمي، فهو ليس مجرد بديل للوقود الأحفوري، بل هو أداة فعالة لتحقيق هدف إزالة الكربون من قطاعات حيوية يصعب كهربتها. تشمل هذه القطاعات الصناعات الثقيلة مثل صناعة الصلب والأسمنت، وقطاع النقل لمسافات طويلة، بالإضافة إلى دوره الهام في تخزين الطاقة المتجددة.
ورغم هذه الإمكانات الهائلة، يواجه التوسع في استخدام الهيدروجين تحديات فنية واقتصادية وتنظيمية. تتطلب هذه التحديات استجابات مبتكرة واستثمارات ضخمة في البحث والتطوير لخفض تكاليف الإنتاج، وتحسين كفاءة عمليات النقل والتخزين، ووضع أطر تنظيمية وتشريعية داعمة على المستوى الدولي.
أنواع الهيدروجين.. ليست كلها صديقة للبيئة
من المهم الإشارة إلى أن الهيدروجين ليس مصدرًا مباشرًا للطاقة، بل هو ناقل مرن لها يمكن إنتاجه من مصادر متنوعة. ويتم تصنيف الهيدروجين بناءً على طريقة إنتاجه ومستوى الانبعاثات الكربونية المصاحبة لها، وهو ما يُعرف بـ “ألوان الهيدروجين”:
- الهيدروجين الرمادي: هو النوع الأكثر شيوعًا حاليًا، ويتم إنتاجه من الوقود الأحفوري (الغاز الطبيعي) عبر عملية ينتج عنها انبعاثات كربونية كبيرة.
- الهيدروجين الأزرق: يتم إنتاجه بنفس طريقة الهيدروجين الرمادي، ولكن مع استخدام تقنيات لاحتجاز وتخزين الكربون الناتج، مما يقلل من بصمته البيئية.
- الهيدروجين الأخضر: هو الهدف الأسمى لجهود الطاقة النظيفة، حيث يتم إنتاجه عبر التحليل الكهربائي للماء باستخدام مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح، دون أي انبعاثات ضارة.
رحلة تاريخية وفرص مستقبلية واعدة
تعود فكرة استخدام الهيدروجين كناقل للطاقة إلى أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، كحل واعد للوقود التقليدي، لكن الاهتمام به تراجع بسبب التحديات التقنية. وعاد ليظهر بقوة في التسعينيات، قبل أن يشهد انتعاشًا حقيقيًا مع بداية الألفية الجديدة، مدفوعًا بالالتزامات العالمية لخفض الانبعاثات ومواجهة تغير المناخ.
اليوم، يمثل الهيدروجين فرصة اقتصادية وتنموية كبرى، خاصة الهيدروجين الأخضر القادر على معالجة تقطع مصادر الطاقة المتجددة من خلال قدرته على التخزين طويل الأمد. ويظل نجاحه مرهونًا بتضافر الجهود الدولية لوضع معايير موحدة، وتمويل المشروعات الكبرى، وتكثيف الاستثمار في التكنولوجيا لجعله منافسًا اقتصاديًا قويًا للوقود التقليدي.
