سر الجبال.. هل يعالج مرض السكري؟
دراسة حديثة تكشف: كريات الدم الحمراء تتحول إلى 'إسفنجة سكر' في نقص الأكسجين

تساؤل قديم حير الأطباء طويلاً: لماذا يقل خطر الإصابة بمرض السكري بين سكان المناطق الجبلية؟ الآن، بدأت تتبلور إجابة صادمة لهذا اللغز المزمن.
دراسة أمريكية حديثة، أجريت على فئران مصابة بالسكري بنوعيه الأول والثاني، كشفت عن تحول جذري. مع صعود الارتفاعات ونقص الأكسجين، تتحول كريات الدم الحمراء إلى ‘إسفنجة’ تمتص السكر، ما يخفض مستوياته في الدم.
في ظل نقص الأكسجين المستمر بالهواء، يرتفع معدل امتصاص كريات الدم الحمراء للسكر بثلاثة أضعاف.
هذا التحول في التمثيل الغذائي لا يساعد الخلايا على إيصال الأكسجين بكفاءة أكبر عند ندرته فحسب، بل يضبط مستويات سكر الدم بشكل أفضل. يقلل بشكل حاسم من فرص الإصابة بالسكري، وهو مرض يستنزف صحة الملايين في مجتمعاتنا العربية.
ما يزال الوقت مبكراً لترجمة هذا الاكتشاف الباهر إلى علاجات بشرية. لكن، مع المزيد من الأبحاث والاختبارات، قد يتحول هذا الأسلوب الطبيعي للتحكم في السكر إلى علاجات وقائية أو حتى عكس مسار السكري.
تصف عالمة الكيمياء الحيوية إيشا جاين من معاهد جلادستون هذا الأمر بقولها: ‘كريات الدم الحمراء تمثل مخزناً خفياً لتمثيل الجلوكوز لم ندرك أهميته من قبل’.
يفتح هذا الاكتشاف آفاقاً غير مسبوقة للتحكم في سكر الدم.
من المعروف أن العيش في المرتفعات يفرض تغيرات جسدية عديدة. الجسم يتكيف مع ضغوط البيئة المختلفة، لكن تحديد ماهية تلك التغيرات وسببها ظل تحدياً قاسياً. الباحثون عمدوا إلى تعريض الفئران لنقص الأكسجين لدراسة كيفية تعامل الجسم مع السكر.
هذه النتائج الجديدة مبنية على تجارب حيث تعرضت الفئران لبيئات قليلة الأكسجين، ما أحدث ‘حالة نقص الأكسجين’. لاحظ الباحثون فوراً انخفاضاً ملحوظاً في مستويات سكر الدم لدى الحيوانات، لكن وجهة السكر اختفت تماماً.
أي سكر أعطي للفئران اختفى من مجرى الدم فوراً، ما قلل خطر السكري بشكل مباشر. لم يتجه السكر إلى الأماكن المعتادة: العضلات، الدماغ، أو الكبد. الأدهى، أن هذا التأثير استمر لأسابيع حتى بعد عودة الفئران لبيئات الأكسجين الطبيعية.
عبر تغيير تقنيات التصوير وإجراء فحوصات متابعة، اكتشف الفريق البحثي أن كريات الدم الحمراء تتمتع بقدرات خفية كـ’ممتصات سكر’. هي المسؤولة عن تنظيم سكر الدم بكفاءة فائقة.
حددت الدراسة جزيئاً معيناً أحدث الفارق، يعمل على ‘الهيموجلوبين’ – البروتين الذي يحمل الأكسجين في كريات الدم الحمراء – فيرخّي قبضته على الأكسجين، ما يحسن تدفقه للخلايا والأنسجة.
يعلق عالم الكيمياء الحيوية أنجلو داليساندرو من جامعة كولورادو: ‘ما أدهشني حقاً هو حجم التأثير’.
‘عادة ما تُعتبر كريات الدم الحمراء مجرد نواقل سلبية للأكسجين. لكننا وجدنا أنها تستهلك نسبة كبيرة من سكر الجسم الكلي، خاصة في ظروف نقص الأكسجين’. هذا تحول جذري في فهم وظائف الدم.
وأشارت: كانت تحتاج إلى اختبارات خارج نطاق الفئران للتأكد من صحتها على البشر. هذا يتماشى أيضاً مع دراسات سابقة أظهرت قدرة كريات الدم الحمراء على التكيف مع نقص الأكسجين.
وجود آليات مماثلة لإدارة السكر لدى حيوانات أخرى في المرتفعات يؤكد أن هذه القدرة تطورت عبر الأنواع. هدفها تحسين كفاءة التمثيل الغذائي عند شح الأكسجين.
هنا تكمن الإشارة الأقوى: بتجريب دواء جديد يحاكي تأثير العيش في المرتفعات على فئران مصابة بالسكري بنوعيه، تمكن الباحثون من عكس مستويات السكر المرتفعة في دم الحيوانات. هذا يفتح الباب أمام علاج محتمل لمرض السكري الذي يفتك بملايين المصريين والعرب.
لكن مسارات البحث متعددة. قد تفيد هذه النتائج أيضاً في دراسة جوانب أخرى لنقص الأكسجين والتكيفات التي يفرضها.
سكان جبال الهيمالايا، مستويات سكر منخفضة كما هو الحال لدى غيرهم من سكان المرتفعات. قد يعود السبب إلى تكيفات جينية تمنعهم من إنتاج المزيد من كريات الدم الحمراء ‘إسفنجة السكر’ التي رصدتها الدراسة.
وأكدت جاين: ‘هذه مجرد البداية. ما يزال هناك الكثير لنتعلمه عن كيفية تكيف الجسم مع تغيرات الأكسجين، وكيف يمكننا استغلال هذه الآليات لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض’.
ونشر البحث في دورية ‘سيل ميتابوليزم’ العلمية.









