«سايت آند ساوند» ترصد: أفلام 2025.. مرآة لعالم مضطرب وجرأة فنية متجددة
قائمة المجلة لأفضل 50 فيلمًا تكشف عن سينما عالمية تواجه تحديات الواقع بأساليب مبتكرة وشخصيات مرتبكة

أكدت قائمة مجلة «Sight & Sound» لأفضل خمسين فيلمًا في عام 2025 قدرة السينما العالمية المتجددة على استشراف الواقع ومواجهة تحدياته في خضم لحظة تاريخية مضطربة. هذه القائمة، التي انبثقت عن تصويت نقاد دوليين من مشارب ثقافية متنوعة، لم تقتصر على تقديم تصنيف جمالي للأعمال السينمائية البارزة، بل رسمت خريطة فكرية وفنية عميقة لما يشغل صناعة السينما اليوم، بدءًا من السياسة والذاكرة والهوية، وصولًا إلى قضايا العائلة والعنف المتجذر في بنية العالم المعاصر.
أشار محررو المجلة في مقدمة القائمة إلى أن عام 2025 لم يشهد أفلامًا «آمنة» أو سهلة، بل كان عامًا للأعمال السينمائية الجريئة التي تخاطر بأساليبها وسردياتها، وتتجاوز القوالب المألوفة شكلاً ومضمونًا. العديد من الأفلام المختارة تناولت عالمًا مضطربًا تتشابك فيه القضايا الخاصة بالعامة، والذاتية بالجماعية، دون تقديم حلول جاهزة أو نهايات تبعث على الاطمئنان.
تصدر فيلم «One Battle After Another» للمخرج بول توماس أندرسون القائمة، واعتبره النقاد التعبير الأبرز عن روح العام. يمزج هذا العمل بين الكوميديا السوداء والدراما السياسية وأفلام الحركة، مقدمًا رؤية معقدة لعالم يعيش صراعًا مستمرًا، حيث تتجاوز المعارك الساحات التقليدية لتصبح صراعات داخلية ونفسية. لا يعتمد الفيلم على سرد خطي تقليدي، بل يستند إلى طاقة سينمائية متدفقة تحول الفوضى إلى لغة سردية بحد ذاتها، في محاولة من أندرسون لاختبار قدرة السينما على تمثيل عالم فقد تنظيمه وبساطته.
جاء فيلم «Sinners» للمخرج رايان كوغلر في المرتبة الثانية، ويتميز هذا العمل باختلافه الشكلي، لكنه يتفق مع سابقه في الرغبة بإعادة قراءة التاريخ من منظور معاصر. يستحضر الفيلم حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي، لا بوصفها زمنًا مضى وانتهى، بل كمرآة تعكس صراعات لا تزال قائمة. يعتمد كوغلر على الموسيقى وعناصر الرعب والأسطورة لخلق تجربة سينمائية هجينة تتخطى التصنيفات التقليدية.
كشفت القائمة عن حضور لافت للسينما العالمية خارج نطاق المركز الأمريكي، من حيث الكم والتأثير على حد سواء. يبرز هنا فيلم «Sirât» للمخرج أوليفييه لاكس، وهو إنتاج إسباني-فرنسي صُوّر جزء كبير منه في المغرب، ويقدم رحلة وجودية لأب يبحث عن ابنته في فضاء صحراوي يتحول إلى مسرح للتأمل في الفقد والإيمان والعبور الرمزي بين الحياة والموت. يعتمد الفيلم على الإيقاع البطيء والصورة الطبيعية كعنصر سردي جوهري، مقدماً تجربة أقرب إلى السينما الروحية منها إلى الدراما التقليدية.
مثلت السينما الإيرانية حضورًا قويًا عبر فيلم «It Was Just an Accident» للمخرج جعفر بناهي، الذي يواصل من خلاله اشتباكه النقدي مع الواقع السياسي والاجتماعي. يستخدم بناهي السخرية والعبث لتفكيك مفهوم المصادفة، ويبرع الفيلم في تحويل تفاصيل يومية عادية إلى أسئلة أخلاقية عميقة، مؤكدًا قدرة السينما على المقاومة من خلال الشكل الفني، حتى في أشد الظروف قسوة.
كما حضرت السينما الآسيوية بفاعلية من خلال فيلم «Resurrection» للمخرج الصيني بي غان، الذي يُصنف ضمن أكثر الأعمال تجريبًا في القائمة. يعتمد الفيلم على لقطات طويلة وبنية حلمية تمزج بين الذاكرة والخيال والزمن، ليقدم تجربة مشاهدة تتطلب من المتلقي انغماسًا كاملاً لا مجرد متابعة سطحية. هذا النمط السينمائي، الذي قد يبدو نخبوياً، يعكس رغبة عميقة في إعادة تقييم علاقة المتفرج بالصورة.
وفي أمريكا اللاتينية، لفت فيلم «The Secret Agent» للمخرج البرازيلي كليبر ميندونسا فيليو الأنظار، حيث يجمع بين السياسة والتاريخ والخيال الساخر. يعود الفيلم إلى فترات حالكة من تاريخ المنطقة، لكنه يتعامل معها بأسلوب ذكي يتجنب المباشرة، ويعتمد على التلاعب بالنوع السينمائي نفسه، مما يجعله عملًا سياسيًا بامتياز دون أن يتحول إلى خطاب صريح.
يجمع هذه الأفلام، على اختلاف بلدانها وأساليبها، انشغال جلي بمفهوم السلطة، سواء تمثلت في سلطة الدولة، أو العائلة، أو الذاكرة، أو حتى سلطة الصورة ذاتها. تتكرر العلاقة بين الآباء والأبناء، على سبيل المثال، كساحة للصراع، كما يتضح في فيلمي «Sirât» و«One Battle After Another»، حيث تتحول العائلة إلى نموذج مصغر للعالم بكل تناقضاته وعنفه الكامن.
وتبرز القائمة أيضًا اهتمامًا متناميًا بالابتكار الشكلي. فالعديد من الأفلام لا تكتفي بسرد قصة، بل تطرح تساؤلات حول اللغة السينمائية نفسها: كيف نروي؟ بأي إيقاع؟ ومن أي زاوية؟ يؤكد هذا التوجه أن السينما في عام 2025 لم تعد تهتم فقط بالمحتوى، بل بطريقة تقديمه، في تحدٍ لهيمنة السرديات المبسّطة والمحتوى الاستهلاكي السريع.
ليست قائمة «Sight & Sound» مجرد تصنيف نقدي، بل هي مرآة لعالم فقد يقينه، وسينما تسعى جاهدة لإيجاد لغة جديدة تعبر عن هذا الفقد. لا تقدم هذه الأفلام حلولًا نهائية أو بطولات تقليدية، بل تعرض شخصيات مرتبكة وسرديات مفتوحة، وتترك أسئلة معلقة في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض.
تؤكد أفلام 2025، التي رصدتها هذه القائمة، أن السينما العالمية ما زالت نابضة بالحياة وقادرة على التجدد، حتى في أحلك الظروف. ربما كانت هذه القسوة ذاتها هي الدافع وراء هذا القدر من الجرأة والبحث والمغامرة في عالم السينما. إنها سينما لا تتهرب من الواقع، بل تواجهه، وتدعو الجمهور إلى مواجهة هذا الواقع معها.









