الأخبار

رحلة تمثال رمسيس الثاني: من ضوضاء الميدان إلى فخامة المتحف الكبير

كيف أنقذت مصر أيقونتها الفرعونية؟ قصة نقل تمثال رمسيس التي تروي تحولًا في علاقة الدولة بتراثها

مع ترقب العالم لافتتاح المتحف المصري الكبير، يقف تمثال رمسيس الثاني شامخًا في بهوه العظيم، ليس مجرد قطعة أثرية، بل بطل قصة ملحمية تروي رحلة إنقاذ امتدت لعقود. هذه الأيقونة المصنوعة من الجرانيت الوردي، والتي تزن 83 طنًا، لم تكن رحلتها من المحجر إلى المتحف مباشرة، بل مرت بمحطات تاريخية عكست تحولات الدولة المصرية نفسها.

اكتشاف وتاريخ حافل

بدأت القصة عام 1820 عندما عثر المستكشف الإيطالي جيوفاني باتيستا كافليليا على التمثال محطمًا إلى ستة أجزاء في موقع مدينة منف القديمة بقرية ميت رهينة. ظل التمثال في مكانه لعقود، شاهدًا صامتًا على تغير الزمن، حتى جاء القرار الذي سيغير مصيره إلى الأبد في حقبة الخمسينيات.

في عام 1954، أمر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بنقل التمثال إلى قلب القاهرة ليوضع أمام محطة القطارات الرئيسية، في خطوة رمزية للاحتفال بثورة يوليو. تحول الميدان إلى ميدان رمسيس، وأصبح التمثال جزءًا لا يتجزأ من هوية العاصمة البصرية، يراه الملايين يوميًا كرمز للقوة والعظمة المصرية.

تحديات الحفاظ على الأيقونة

لكن هذا الموقع الحيوي كان بمثابة حكم بطيء بالإعدام على الأثر الفريد. على مدار عقود، عانى التمثال من أضرار بالغة بسبب التلوث البيئي وعوادم السيارات، بالإضافة إلى الاهتزازات المستمرة الناتجة عن حركة مترو الأنفاق والسيارات، مما هدد سلامته الهيكلية وأفقد سطحه المصقول بريقه.

لم تعد عملية نقل تمثال رمسيس الثاني مجرد خيار، بل ضرورة حتمية لإنقاذه. هذه الخطوة لم تكن مجرد عملية لوجستية معقدة، بل مثلت تحولًا في فلسفة الدولة تجاه كنوزها الأثرية؛ من استخدامها كرموز شعبية في الميادين العامة إلى الحفاظ عليها وعرضها بأسلوب علمي يليق بقيمتها التاريخية داخل صروح ثقافية عالمية.

عملية النقل.. ملحمة هندسية

بدأ التخطيط الفعلي لعملية الإنقاذ في التسعينيات، وتوج بالمشروع الذي أُطلق رسميًا عام 2004. وفي 25 أغسطس 2006، شهدت القاهرة ليلة تاريخية، حيث تحرك الموكب المهيب الذي حمل التمثال في رحلة استغرقت 11 ساعة لقطع 30 كيلومترًا إلى موقعه المؤقت بالقرب من المتحف، في عملية نفذتها شركة المقاولون العرب بدقة متناهية.

وفي عام 2018، تمت المرحلة الأخيرة والأكثر دقة، وهي نقل التمثال إلى مكانه النهائي داخل البهو العظيم بالمتحف. استُخدمت في هذه العملية أربع روافع هيدروليكية عملاقة وتقنيات هندسية معقدة لضمان استقرار التمثال الذي يتجاوز ارتفاعه تسعة أمتار، ليقف اليوم مستقبلاً زوار المتحف المصري الكبير كأول وأهم قطعة ترحيبية.

رمزية رمسيس العظيم

يمثل تمثال رمسيس الثاني حقبة من أزهى عصور مصر القديمة، حيث حكم الملك المحارب البلاد بين عامي 1279 و1213 قبل الميلاد، وقاد حملات عسكرية كبرى، كما خلد اسمه بتوقيع أول معاهدة سلام في التاريخ بعد معركة قادش. وجود تمثاله اليوم في المتحف لا يجسد قوة الحضارة المصرية فحسب، بل يروي قصة نجاح دولة حديثة في الحفاظ على إرثها للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *