رئيس “كلارنا” يحذر: الذكاء الاصطناعي سيغير وجه الوظائف والبنوك إلى الأبد

في قلب العاصفة التكنولوجية، يطلق أحد أبرز داعمي الذكاء الاصطناعي تحذيراً مدوياً: العالم لم يستعد بعد للزلزال الذي سيحدثه في سوق العمل. سيباستيان سيمياتكوسكي، العقل المدبر وراء عملاق التكنولوجيا المالية “كلارنا”، يرسم صورة لمستقبل قريب قد لا يجد فيه الملايين وظائفهم، مؤكداً أننا لم نشهد بعد التبعات الحقيقية لهذه الثورة.
من شركات التكنولوجيا الكبرى إلى المترجمين المستقلين، يرى سيمياتكوسكي أن موجة التغيير القادمة ستكون أوسع وأعمق مما يتخيل الكثيرون. ففي حوار له مع تلفزيون “بلومبرغ”، لم يتردد في توجيه نقد مبطن لزملائه في قطاع التكنولوجيا، معتبراً أن نقاشاتهم غالباً ما تتجنب الحديث عن الأثر الإنساني الحقيقي لهذا التحول الهائل في “العمل المعرفي”.
تحول مجتمعي وشيك
“أتوقع أن هناك تحولاً كبيراً سيحدث في العمل المعرفي، وهذا لا يقتصر على مجال البنوك، بل يشمل المجتمع بأكمله”، هكذا لخص سيمياتكوسكي رؤيته، مضيفاً أن السؤال الأهم الذي يواجهنا كمجتمع هو: “ماذا سنفعل؟”. يعترف الرجل بأن وظائف جديدة ستُخلق بالفعل، لكنه يطرح تساؤلاً أكثر واقعية وإنسانية.
يضرب مثالاً حياً فيقول: “على المدى القصير، هذا لن يساعد مترجماً في الاتحاد الأوروبي، فلن يتحول إلى مؤثر على يوتيوب بين ليلة وضحاها”. هذه الجملة البسيطة تلخص معضلة التحول المهني الصعبة التي ستواجه جيلاً كاملاً من أصحاب المهارات التي قد تصبح قديمة بفعل الآلة.
“كلارنا”: حقل تجارب الذكاء الاصطناعي
لم تكن تصريحات سيباستيان سيمياتكوسكي مجرد تنظير، فشركته “كلارنا”، التي اشتهرت عالمياً بخدمة “اشتر الآن وادفع لاحقاً”، كانت في طليعة المتبنين لهذه التقنية. في عام 2023، أعلن بفخر استعداده لأن تكون شركته “حقل التجارب المفضل” لشركة “أوبن إيه آي” (OpenAI)، في خطوة كانت مدفوعة جزئياً بالحاجة الماسة لخفض التكاليف بعد انحسار فورة التكنولوجيا المالية.
كانت النتائج دراماتيكية؛ فقد مكن هذا النهج “كلارنا” من تجميد التوظيف لأكثر من عام، وخفض عدد موظفيها من 7400 إلى حوالي 3000 موظف فقط. لكن التجربة كشفت أيضاً عن حدود التقنية، حيث اضطرت الشركة لتعيين موظفي خدمة عملاء من البشر هذا العام، لضمان وجود صوت إنساني يمكن للمستخدمين اللجوء إليه عند الحاجة، مع التأكيد على أن قرارات الائتمان الحساسة لا تزال بعيدة عن سيطرة الذكاء الاصطناعي الكاملة.
نهاية “الأرباح المفرطة” ومستقبل البنوك
على الرغم من هذه الحدود، يظل المدير التنفيذي السويدي مؤمناً بقدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم خدمة عملاء بنفس كفاءة البشر، بل وأفضل. ويقول: “يُمكن بناء قدر كبير من الثقة عبر توجيه الذكاء الاصطناعي لأداء مهام محددة، نظراً لاتساق الأداء وجودته”.
ويتوقع سيمياتكوسكي أن ثورة الذكاء الاصطناعي ستكتب نهاية ما أسماه “الأرباح المفرطة” في قطاعي البنوك والبرمجيات، حيث ستتفوق الشركات سريعة التطور على الكيانات التقليدية القديمة. ويرى أن دور البنوك التقليدية سيتقلص ليصبح مجرد مؤسسات مالية ضخمة تدير رأس المال، بينما تتولى شركات التكنولوجيا المالية التفاعل المباشر مع العملاء.
وتعكس خطوات “كلارنا” هذه الرؤية، فبعد طرح أسهمها في بورصة نيويورك، نمت قاعدة عملائها لتتجاوز 114 مليون عميل. كما حصلت الشركة مؤخراً على ترخيص لإصدار أموال إلكترونية في المملكة المتحدة، مما يضعها في منافسة مباشرة مع شركات كبرى مثل ريفولوت.
شغف شخصي يثير قلق زوجته
على المستوى الشخصي، لا يخفي سيمياتكوسكي ولعه الشديد بالذكاء الاصطناعي، الذي يستخدمه “طوال الوقت”. وقد أثار ضجة في وقت سابق من العام عندما انخرط فيما يعرف بـ”البرمجة التفاعلية” (vibe coding) لاستكشاف شيفرة “كلارنا” البرمجية بنفسه.
ويكشف عن جانب طريف من حياته قائلاً: “زوجتي تشكو من هذا، فعندما يخلد الأطفال إلى النوم أقول لها: هل يمكنني ممارسة البرمجة التفاعلية قليلاً؟”. ورغم استياء زوجته، يرى في هذا الشغف متعة حقيقية، ويوجه رسالة أخيرة للجميع: “إن تعلّم كل هذه التقنيات أمر رائع. لا يجب أن يخشى الناس التكنولوجيا”.







