دو باو: مساعد بايت دانس الذكي يعيد تعريف التفاعل مع الهواتف
تتجه بايت دانس نحو دمج الذكاء الاصطناعي بعمق في أنظمة التشغيل، مقدمةً مساعدها 'دو باو' كنموذج جديد للتفاعل البشري مع الأجهزة الذكية، مع التركيز على الابتكار والتأثير العملي.

بينما يتسابق عمالقة التقنية لتقديم تجارب ذكاء اصطناعي عامة، تركز بايت دانس، عملاق الإنترنت الصيني، جهودها على دمج الذكاء الاصطناعي مباشرة في صميم الأجهزة التي يستخدمها المستهلكون يوميًا، وتحديدًا الهواتف الذكية. هذا التوجه يتجسد في إطلاق مساعدها الذكي ‘دو باو موبايل أسيستنت’ (Doubao Mobile Assistant)، الذي يهدف إلى الارتقاء بتجربة الاستخدام عبر تعاون غير مسبوق مع مصنعي الهواتف الصينية.
على عكس المساعدات التقليدية التي تعمل كتطبيقات منفصلة، وصفت بايت دانس ‘دو باو’ بأنه ثمرة ‘تعاون على مستوى نظام التشغيل’ بين نموذجها للذكاء الاصطناعي وشركات تصنيع الهواتف. هذه الشراكة تفتح آفاقًا واسعة لإمكانيات تفاعلية أكثر عمقًا وثراءً، متجاوزةً بذلك القيود الوظيفية للتطبيقات المستقلة.
لم يكن إطلاق ‘دو باو’ مجرد إعلان، بل اقترن بتقديم نسخة أولية على هاتف تجريبي، هو ‘نوبيا M153’ (Nubia M153) من تطوير شركة ZTE. هذا الجهاز، الذي يبلغ سعره حوالي 3499 يوانًا صينيًا (ما يعادل 495 دولارًا أمريكيًا)، يمثل المنصة الأولى التي تحتضن هذا المساعد الطموح.
وبعيدًا عن كونه مجرد هاتف تجريبي، يأتي الجهاز بمواصفات تقنية قوية تدعم قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. يضم ‘نوبيا M153’ شاشة بحجم 6.78 بوصة، ونظام تصوير خلفي ثلاثي العدسات بدقة 50 ميجابكسل، ويعمل بمعالج Snapdragon 8 Elite Gen 5 من كوالكوم، إلى جانب ذاكرة عشوائية بسعة 16 جيجابايت وذاكرة تخزين داخلية 512 جيجابايت، وبطارية ضخمة بسعة 6000 مللي أمبير في الساعة، مما يوفر بيئة مثالية لتشغيل ‘دو باو’.
ذكاء متعدد المهام
خلافًا للمساعدات الصوتية التقليدية التي تقتصر على مهام بسيطة، استعرضت بايت دانس في فيديو توضيحي قدرات ‘دو باو’ المتعددة الأوجه. يستطيع المساعد، على سبيل المثال، سرد قصة متكاملة بناءً على صورة واحدة، أو تحرير الصور ببراعة لإزالة عناصر غير مرغوب فيها كحذف المارة من الخلفية، كما يمكنه مقارنة الأسعار عبر منصات التسوق المتنوعة وتنفيذ عمليات الشراء بموافقة المستخدم.
ولم تتوقف قدرات ‘دو باو’ عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل مهام حياتية معقدة. يمكن للمساعد حجز المطاعم ووسائل النقل، وتشغيل ملفات البودكاست، وكل ذلك يتم بسلاسة عبر الأوامر الصوتية فقط، مما يلغي الحاجة إلى التفاعل اليدوي مع الهاتف.
ما يميز ‘دو باو’ حقًا هو كونه ليس مجرد تطبيق خارجي، بل جزء لا يتجزأ من نظام التشغيل نفسه. هذا الاندماج العميق يمنحه القدرة على التحكم في مختلف تطبيقات الهاتف وتقديم استجابة سريعة وسلسة، ويمكن للمستخدم تفعيله بسهولة عبر زر مخصص في جانب الهاتف أو من خلال سماعات رأس متوافقة.
وفي مثال عملي يبرز مرونة المساعد، عرض الفيديو شخصًا يرتدي سماعة لاسلكية ويحمل أمتعة، يستدعي ‘دو باو’ ليطلب منه فتح مساحة التخزين الخلفية في سيارته تسلا، ثم يتبعه بطلب حجز طاولة في مطعمه المفضل في توقيت محدد، كل ذلك دون لمس الهاتف، مما يعكس مستوى جديدًا من التفاعل الخالي من الأيدي.
وبعيدًا عن الاستجابات اللحظية، تقدم النسخة التجريبية ميزة مبتكرة أطلقت عليها الشركة وظيفة ‘الذاكرة’. هذه الوظيفة تمكّن ‘دو باو’ من تحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص محفوظة محليًا، ثم تحليلها لتحديد التواريخ المهمة، الملاحظات، أو المهام القادمة، ليقوم بعدها بإنشاء تذكيرات تلقائية أو قوائم مهام بناءً على هذا التحليل، مما يحول المساعد إلى منظم شخصي استباقي.
وفي عرض تجريبي آخر، تم تسليط الضوء على قدرة ‘دو باو’ على التفاعل المباشر مع الصور. يمكن للمستخدم عرض صورة لمعلم سياحي، ثم طرح سؤال صوتي حول موقعه أو تفاصيله، ليقدم المساعد استجابة فورية بالاعتماد على قدراته متعددة الوسائط لفهم السياق البصري والنصي.
تحديات التطوير والآفاق المستقبلية
على الرغم من القدرات الواعدة، أقرت كل من بايت دانس وZTE بأن النظام البرمجي للهاتف، وخاصة الكاميرا، لا يزال قيد التطوير. هذا يعني أن التجربة الحالية قد لا تضاهي هواتف الفئة الرائدة، لكن الشركتين تعهدتا بإصدار تحديثات دورية كل أسبوعين حتى نهاية مارس 2026، في إطار خطة طموحة لتحسين الأداء وتوسيع الميزات.
وفي تعليق يعكس رؤية الشركة، أشار جان لين، أحد أعضاء فريق تطوير ‘دو باو’، إلى أن إطلاق أبل لمساعدها سيري عام 2011، ثم ظهور ChatGPT عام 2022، قد ألهم الجميع لإعادة تصور مستقبل المساعدات الصوتية على الهواتف المحمولة. وأكد أن مشروع ‘دو باو’ انطلق فعليًا العام الماضي، وأن بايت دانس لا تعتزم دخول مجال تصنيع الهواتف الذكية بشكل مباشر، بل تركز على عقد شراكات مع عدة شركات مصنّعة لدمج ‘دو باو’ كمساعد افتراضي في أجهزتها.
وخلافًا لتجاربها السابقة في تصنيع الهواتف، حيث استحوذت بايت دانس عام 2019 على جزء من العلامة التجارية Smartisan وأطلقت أجهزة مثل Nut Pro 3 وNut R2 التي لم تلق رواجًا، تحول تركيز الشركة الآن نحو تطوير ملحقات ذكية. هذا التحول يعكس استراتيجية أكثر تركيزًا على البرمجيات والخدمات.
وفي العام الماضي، كشفت بايت دانس عن منتج جديد باسم ‘أولا فريند’ (Ola Friend)، وهو جهاز صوتي قابل للارتداء يعمل بتقنية السماعات المفتوحة. هذا الجهاز يُستخدم كوسيط لتفعيل مساعد ‘دو باو موبايل أسيستنت’ على الهواتف المتوافقة، بما في ذلك نموذج Nubia M153، مما يوسع قنوات التفاعل مع المساعد.
تحول استراتيجي ونمو اقتصادي
تأتي هذه الخطوة من بايت دانس في سياق تحول استراتيجي أوسع، مدفوعًا بتشبع سوق محتوى الفيديوهات القصيرة والتحديات القانونية التي يواجهها تطبيق ‘تيك توك’ في الولايات المتحدة. هذا دفع الشركة إلى تبني استراتيجية شاملة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي كركيزة أساسية لنموها المستقبلي.
وفي إطار هذا التوجه، تشير بعض التقارير إلى أن بايت دانس تُعد من الشركاء المحتملين لشركة أبل لإدماج تقنيات Apple Intelligence داخل السوق الصينية، إلى جانب أسماء كبيرة مثل Alibaba وBaidu وTencent. هذه الشراكات، وإن لم يتم الإعلان عنها رسميًا بعد، تعكس الأهمية المتزايدة لدمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة البيئية الكبرى. للمزيد حول هذا الاتجاه، يمكن الاطلاع على تقارير السوق الحديثة حول دمج نماذج الذكاء الاصطناعي في الهواتف الذكية.
وفي تصريح سابق، أكد ليانج رو بو، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لبايت دانس، أن أهداف الشركة خلال العام الحالي تتضمن ‘استكشاف أقصى إمكانيات الذكاء’ و’ابتكار واجهات تفاعل جديدة مع المستخدمين’. هذه الرؤية تؤكد التزام الشركة بالابتكار العميق في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي سياق متصل، توقعت تقارير من مؤسسات بحثية مثل Haitong Securities وDongwu Securities أن تقنيات ‘دو باو’ ستندمج مستقبلاً بشكل أعمق مع أنظمة التشغيل، لتتحول من مجرد مساعد رقمي إلى ‘ذكاء مجسد’ قادر على قراءة محتوى الشاشة، وفهم عادات المستخدم، والتفاعل مع واجهات التطبيقات المختلفة. هذا التطور قد يدفع المصنعين إلى تبني نموذج اقتصادي جديد يقوم على ‘الجهاز + الاشتراك الشهري’، مما يفتح الباب أمام نمو كبير في الطلب على البنية التحتية اللازمة لتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي، ويضمن للشركات ربحية مستدامة من بيع الهواتف، إلى جانب الحصول على نسبة من الاشتراك الشهري الضروري للاستمتاع بالمزايا الكاملة لمساعد بايت دانس الجديد.









