اقتصاد

دوميناري هولدينغز: الذراع المالي لأبناء ترامب في عالم الأسهم الصغيرة

تحليل معمق للشراكة المثيرة للجدل بين بنك استثماري ناشئ وعائلة ترامب وكيف تحول الاسم السياسي إلى أداة لتحقيق ثروات ضخمة في وول ستريت.

في قلب مدينة نيويورك، وتحديدًا في برج ترامب الشهير، يتخذ بنك استثماري ناشئ يُدعى ”دوميناري هولدينغز“ من طابقين أسفل مقر ”مؤسسة ترامب“ مقرًا له. هذه الشراكة المكانية والمالية بين البنك وأبناء الرئيس دونالد ترامب، تفتح الباب على عالم من الصفقات المربحة التي تعتمد بشكل أساسي على قوة الاسم السياسي في وول ستريت.

يقف وراء هذه العلاقة كايل وول، رئيس ”دوميناري“، الذي أمضى سنوات في بناء جسور مع عائلة ترامب. ومنذ الانتخابات الأخيرة، تحول وول إلى ما يشبه الوسيط المالي الحصري لنجلي الرئيس الأكبرين، دونالد الابن وإريك، حيث نسجوا معًا شبكة من الصفقات التي حولت شركات مغمورة إلى محط أنظار المستثمرين، محققةً أرباحًا طائلة في أيام معدودة.

آلية عمل الشراكة

يتخصص بنك ”دوميناري“ في جمع التمويل للشركات الصغيرة جدًا، وهي كيانات متداولة في البورصة لكنها تفتقر إلى الأرباح المستقرة، وتعتمد أسعار أسهمها على الضجيج الإعلامي أكثر من اعتمادها على الأداء المالي الفعلي. هنا يأتي دور اسم ترامب، الذي يوفر الزخم المطلوب لدفع هذه الأسهم إلى مستويات قياسية، وهو ما يفسر نجاح هذه الشراكة غير التقليدية.

خير مثال على ذلك شركة ”أنيوجوال ماشينز“ (Unusual Machines)، وهي شركة طائرات مسيّرة متعثرة. بعد ثلاثة أسابيع فقط من انتخابات 2024، أُعلن عن تعيين دونالد ترامب الابن مستشارًا ومستثمرًا في الشركة بترتيب من وول. النتيجة كانت فورية؛ حيث تضاعفت قيمة السهم أكثر من ثلاث مرات في ثلاثة أيام، ما أضاف 4.4 مليون دولار إلى ثروة نجل الرئيس على الورق.

صفقات تعزز الثروة والنفوذ

لم تتوقف الصفقات عند هذا الحد، بل شملت بنك ”دوميناري“ نفسه. في فبراير، أُعلن أن دونالد الابن وإريك ترامب أصبحا مستشارين ومستثمرين رئيسيين في البنك، لتقديم المشورة في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، رغم عدم امتلاكهما أي خبرة واضحة في هذين المجالين. مجددًا، ارتفعت أسهم ”دوميناري“، مضيفةً ملايين الدولارات إلى ثروة وول وأبناء ترامب.

وصلت قيمة حصة الأخوين ترامب في ”دوميناري“ إلى أكثر من 17 مليون دولار بحلول أكتوبر، بينما قفزت قيمة أسهم إريك في شركة لتعدين البيتكوين ساعد البنك في تأسيسها إلى ما يقرب من نصف مليار دولار. هذه الأرقام الضخمة، حتى بمعايير عائلة ترامب التي تقدر ثروتها بـ 7 مليارات دولار، تكشف عن حجم المكاسب المحققة من استغلال النفوذ السياسي في الأسواق المالية.

تضارب مصالح محتمل

تثير هذه الشراكات تساؤلات جدية حول تضارب المصالح. ففي ولاية ترامب الأولى، تركز الجدل حول استغلال عقارات العائلة من قبل جماعات ضغط ومسؤولين أجانب. أما الآن، فقد توسعت الأنشطة التجارية لتشمل قطاعات حساسة مثل الإعلام والعملات المشفرة والطائرات المسيّرة، وهي قطاعات تتأثر بشكل مباشر بالسياسات التي يقرها البيت الأبيض.

يعد ”دوميناري“ القناة الرئيسية التي تتدفق عبرها هذه الفرص، ما يضاعف من احتمالية اتخاذ قرارات رسمية تهدف بشكل غير مباشر إلى زيادة ثروة عائلة ترامب. على سبيل المثال، قد تستفيد شركة ”أميركان بتكوين“، التي يمتلك فيها إريك حصة ضخمة، من أي تغييرات ضريبية لصالح معدّني العملات المشفرة، وهو ما أوصى به البيت الأبيض بالفعل. وبالمثل، تستفيد شركات الطائرات المسيّرة من أي قرارات لتسريع المشتريات العسكرية للمسيّرات أمريكية الصنع.

كايل وول: مهندس الصفقات

نشأ كايل وول في بلدة ريفية وبنى مسيرته في قطاع الوساطة المالية متنقلاً بين شركات كبرى مثل ”مورغان ستانلي“. عُرف عنه طموحه وقدرته على بناء علاقات مع الأثرياء والمشاهير. بعد توليه رئاسة ”دوميناري“، نقل مقرها إلى برج ترامب وبدأ في نسج علاقته مع العائلة، مستغلاً عضويته في نوادي الغولف التي يملكها الرئيس للاقتراب من دائرة صنع القرار.

على الرغم من مواجهته خمس شكاوى من عملاء سابقين اتهموه بوضع أموالهم في استثمارات غير مناسبة، يصف وول هذه القضايا بأنها ”جزء من ممارسة الأعمال التجارية“. ويصفه المقربون منه بأنه شخص مجتهد ومخلص، ومستعد للعمل في أي وقت لإنجاز الصفقات، وهو ما جعله الشريك المفضل لأبناء ترامب.

الجانب المظلم للأسهم الصغيرة

بينما تحقق عائلة ترامب مكاسب ضخمة، غالبًا ما يكون صغار المستثمرين هم الضحية. يعتمد هذا النظام على إمداد ثابت من المستثمرين الأفراد الباحثين عن ربح سريع في ”كازينو“ الأسهم الصغيرة. يركز ”دوميناري“ بشكل كبير على طرح شركات صينية صغيرة للاكتتاب العام في الولايات المتحدة، وهو قطاع معروف بالتقلبات الحادة والاحتيال.

تُظهر البيانات أن العديد من الاكتتابات التي أدارها البنك انتهت بكوارث للمستثمرين، حيث فقدت الأسهم معظم قيمتها بعد فترة وجيزة من طرحها. غالبًا ما يتم الترويج لهذه الأسهم عبر مجموعات دردشة على الإنترنت، حيث يغري ”خبراء“ وهميون المستثمرين بالشراء، قبل أن ينهار السهم فجأة بعد بيع المطلعين لحصصهم، تاركين صغار المستثمرين في مواجهة خسائر فادحة، وهو ما دفع مكتب التحقيقات الفيدرالي للتحذير من هذه الممارسات.

في النهاية، تبدو العلاقة بين ”دوميناري“ وأبناء ترامب تكافلية بامتياز؛ حيث يوفر اسم العائلة المصداقية والضجيج اللازمين لنجاح الصفقات، بينما يوفر البنك الآلية المالية لتحويل هذا النفوذ إلى ثروة نقدية. ويبقى السؤال مطروحًا حول الحدود الفاصلة بين العمل التجاري المشروع واستغلال السلطة، خاصة عندما تكون القرارات المتخذة في البيت الأبيض قادرة على التأثير المباشر في ثروة العائلة الحاكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *