دراسة تكشف: الأرق قد يكون مسؤولاً عن مئات الآلاف من حالات الخرف سنوياً
12.5% من حالات الخرف لدى كبار السن قد ترتبط بالأرق، أي 450 ألف حالة.

سعَى العلماء إلى تحديد حجم تأثير الأرق على حالات الخرف سنوياً، وقد توصلوا إلى رقم صادم يماثل تعداد سكان مدينة متوسطة الحجم. هذه الجهود البحثية تهدف إلى تسليط الضوء على عامل خطر قابل للتعديل قد يساهم بشكل كبير في انتشار هذا المرض المعقد.
قام باحثون من عدة مؤسسات علمية بارزة بإعادة تحليل بيانات موجودة مسبقاً شملت 5,899 شخصاً ممن تجاوزوا الخامسة والستين من العمر. تضمنت هذه البيانات تقارير ذاتية عن أعراض الأرق، بالإضافة إلى تشخيصات “الخرف المحتمل” بناءً على اختبارات التدهور المعرفي والتشخيصات الطبية.
كان الاستنتاج الأبرز من هذه الدراسة أن 12.5 بالمائة من حالات الخرف لدى كبار السن، وهو ما يعادل قرابة 450 ألف شخص سنوياً في إحدى الدول الكبرى وحدها، يمكن أن تُعزى إلى الأرق. هذا الرقم يضع الأرق في مصاف العوامل المؤثرة بقوة على الصحة العامة.
وفي ورقتهم البحثية المنشورة، أشار الباحثون إلى أنه “على الرغم من تزايد الأدلة التي تربط بين الأرق والخرف، لم تُجرَ دراسات سابقة لتقدير التأثير على مستوى السكان في إحدى الدول الكبرى.” هذا ما دفعهم لملء هذه الفجوة المعرفية.
تبني هذه الدراسة على ما نعرفه بالفعل عن العلاقة بين الأرق والخرف، لكنها تقدم بُعداً جديداً. يُعرف هذا التأثير على مستوى السكان بمصطلح “النسبة المئوية للحالات المنسوبة للسكان” (PAF)، وهو يمثل نسبة الأمراض أو الوفيات في مجتمع معين التي يمكن إسنادها إلى عامل خطر محدد. عملياً، يقدر هذا المؤشر حجم العبء المرضي الذي يمكن تجنبه إذا أُزيل عامل الخطر المعني.
بدايةً، حدد الفريق البحثي نسبة الأشخاص الذين يعانون من الأرق أو الخرف المحتمل ضمن مجموعة البيانات التي درسوها، وكانت هذه النسب 28.7 بالمائة و 6.6 بالمائة على التوالي.
لكن مهلاً، كانت مجموعة البيانات هذه تقدم لقطة واحدة فقط؛ أي أن الأفراد لم يُتابعوا بمرور الوقت لمعرفة من منهم أصيب بالخرف لاحقاً. لذا، جرى دمج هذه الأرقام مع قيمة “الخطر النسبي” المستمدة من دراسات سابقة، والتي أظهرت أن الإصابة بالأرق تزيد من احتمالية تطور خرف الزهايمر بمقدار 1.51 مرة في المتوسط.
بعد ذلك، استخدم الباحثون صيغة حسابية معتمدة لتقدير النسبة المئوية للحالات المنسوبة للسكان (PAF): قاموا بتعميم بيانات اللقطة الواحدة لتمثل سكان الدولة بأكملها، ثم استخدموا مضاعف الخطر النسبي لتقدير عدد حالات الخرف التي نظرياً لن تحدث لو لم يكن الأرق عاملاً مساهماً.
أسفرت هذه الحسابات عن نسبة PAF بلغت 12.5 بالمائة، أي ما يقرب من حالة خرف واحدة من كل ثماني حالات. وبتطبيق هذا التقدير على جميع من تبلغ أعمارهم 65 عاماً فما فوق والمصابين بالخرف في تلك الدولة، كتب المؤلفون: “يمكن تقدير أن 449,069 حالة خرف في عام 2022 كان من الممكن الوقاية منها لو تم القضاء على الأرق.”
لتحديد النسبة المئوية للحالات المنسوبة للسكان (PAF)، يجب افتراض وجود علاقة سببية؛ في هذه الحالة، أن الأرق يساهم في الخرف. ومع ذلك، من المهم التأكيد أن هذا المؤشر لا يثبت علاقة سببية بشكل قاطع، فهو مجرد نموذج رياضي يعتمد على عدة افتراضات.
ومع ذلك، يبقى هذا المؤشر ذا فائدة كبيرة؛ إذ يضع رقماً حقيقياً على التأثير المحتمل للأرق على الخرف. تُعد مشكلات النوم من عوامل الخطر القابلة للتعديل، مما يعني أنه يمكن للأفراد والمتخصصين في الرعاية الصحية معالجتها والتدخل فيها.
وأوضح الباحثون أن “هذه التقديرات جديرة بالملاحظة عند مقارنتها بعوامل خطر الخرف الأخرى المعروفة.” على سبيل المثال، أشارت دراسات سابقة إلى أن فقدان السمع المتوسط أو الشديد في مراحل متأخرة من العمر يمثل نسبة 16.9 بالمائة من الحالات المنسوبة للسكان، بينما يمثل فقدان السمع الخفيف 3.9 بالمائة، وذلك باستخدام نفس مصدر البيانات.
وأضافوا: “يقع تقديرنا للنسبة المئوية للحالات المنسوبة للسكان بين هذه الأرقام، مما يسلط الضوء على التأثير الكبير للأرق على مستوى السكان ويشير إلى إمكانات هائلة للتدخلات الهادفة إلى تقليل الأرق بين كبار السن.”
من الجدير بالذكر أيضاً أن العلاقة بين الأرق والخرف قد تكون ذات اتجاهين إلى حد ما؛ فمن المحتمل أن التغيرات الدماغية المرتبطة بالخرف تؤدي إلى مشكلات في النوم، بدلاً من العكس. هذا التعقيد يضيف طبقة أخرى لفهم العلاقة.
هذا يجعل من الصعب على الباحثين تحديد ما الذي يدفع بالفعل تطور الخرف، وما الذي يحدث كنتيجة له. ومع ذلك، تستمر الدراسات الجديدة في تحديد عوامل خطر متعددة، مما يقربنا أكثر من فهم كيفية نشوء الخرف وكيف يمكن إيقافه.
قد تساعد نتائج أخرى من هذه الدراسة الأبحاث المستقبلية: فقد كان عبء الخرف المنسوب إلى الأرق أعلى قليلاً لدى النساء مقارنة بالرجال، وكانت النسبة الأكبر من هذه الحالات تحدث لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 85 عاماً فما فوق.
وخلص الباحثون إلى أن “هذه النتائج تشير إلى ضرورة دمج صحة النوم ضمن الرعاية الروتينية لكبار السن واستراتيجيات الوقاية من الخرف.”
وأكدوا أن “معالجة الأرق من خلال تدخلات موجهة ومحددة حسب الجنس يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تقليل خطر الخرف على مستوى السكان.”
وقد نُشر هذا البحث في مجلة علمية مرموقة متخصصة في علم الشيخوخة.









