
قد تحمل بكتيريا *النيسرية السحائية*، المعروفة اختصاراً بالمكورات السحائية، في الجزء الخلفي من الأنف والحلق دون أن يشعر بها أحد، وكأنها ضيف غير مرئي. لكن هذه البكتيريا الهادئة، والتي يعيشها واحد من كل عشرة أشخاص تقريباً دون أن تبدي أي علامة للمرض، لديها القدرة على الانقلاب فجأة لتصبح تهديداً خطيراً، مسببة ما يُعرف بداء المكورات السحائية. إنه مرض يحمل في طياته خطورة بالغة، فهو ليس مجرد عدوى عادية، بل حالة تستدعي الانتباه الشديد والتعامل السريع.
**أنواع العدوى**
يتجلى داء المكورات السحائية عادةً في شكلين رئيسيين يُعدان الأكثر شيوعاً وخطورة: الأول هو التهاب السحايا بالمكورات السحائية، حيث تتسلل البكتيريا لتصيب الأغشية المحيطة بالدماغ والحبل الشوكي، مسببة تورماً والتهاباً خطيراً. أما الشكل الثاني فهو عدوى مجرى الدم بالمكورات السحائية، وفيها تغزو البكتيريا الدم مباشرةً، وتلحق أضراراً بالغة بجدران الأوعية الدموية، مما يؤدي إلى نزيف تحت الجلد وفي الأعضاء الداخلية، وهي حالة تتطلب تدخلاً طبياً فورياً.
**الأعراض**
تختلف الأعراض الظاهرة لكل من التهاب السحايا وعدوى مجرى الدم بالمكورات السحائية، لكن ما لا يختلف هو خطورتهما البالغة وقدرتهما على التسبب بالوفاة إذا لم يتم التعامل معهما بالسرعة المطلوبة.
**عوامل الخطر**
تتعدد العوامل التي قد تزيد من فرص الإصابة بداء المكورات السحائية؛ فالعمر يلعب دوراً مهماً، كما أن بعض الحالات الطبية المحددة وتناول أدوية معينة يمكن أن تجعل الشخص أكثر عرضة للخطر.
**الأسباب**
البكتيريا المسببة لهذا الداء، وهي *النيسرية السحائية*، تستوطن عادةً الجزء الخلفي من الأنف والحلق. الغريب أن حوالي 10% من الناس يحملون هذه البكتيريا دون أن تظهر عليهم أي أعراض مرضية، فهم مجرد حاملين لها. لكن في بعض الأحيان، ولأسباب غير مفهومة تماماً، تنتقل هذه البكتيريا من موطنها الهادئ إلى أجزاء أخرى من الجسم، وعندها تبدأ العدوى بالانتشار مسببة المرض.
**الانتشار بين الأفراد**
تنتقل بكتيريا المكورات السحائية من شخص لآخر عن طريق إفرازات الجهاز التنفسي والحلق، كاللعاب مثلاً. وعادةً ما يتطلب انتقال العدوى تماساً وثيقاً أو لفترات طويلة، فليس من السهل أن تنتشر كالزكام أو الأنفلونزا مثلاً. قد يحدث هذا عند التقبيل، أو حتى بمجرد العيش في نفس المسكن مع شخص مصاب، فتشارك المساحات يزيد من فرص الاحتكاك.

**الوقاية**
تبقى اللقاحات هي خط الدفاع الأول والأكثر فعالية في الوقاية من داء المكورات السحائية.
**التطعيم**
اللقاح هو الوسيلة الأنجع على الإطلاق لتجنب الإصابة. توصي المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بتطعيم جميع الأطفال والمراهقين في سن ما قبل المراهقة والمراهقة، وكذلك الأطفال والبالغين الذين يعتبرون أكثر عرضة للخطر. لذا، فإن استشارة الطبيب حول التطعيم المناسب لك أو لأفراد عائلتك تعد خطوة ضرورية وحاسمة.
**المضادات الحيوية**
أما المخالطون المقربون لشخص مصاب بداء المكورات السحائية، فيجب أن يتلقوا جرعات من المضادات الحيوية كإجراء وقائي يحد من فرص إصابتهم. وعادةً ما يتولى طبيب مختص أو الجهات الصحية المعنية مهمة تحديد من يحتاج إلى هذه الجرعات الوقائية.
**إعادة العدوى**
صحيح أن الإصابة بداء المكورات السحائية أكثر من مرة أمر نادر الحدوث، لكنه ليس مستحيلاً. وإذا ما تكررت الإصابة للمرة الثانية، فمن الضروري جداً إجراء فحوصات معمقة للتأكد مما إذا كان هناك نقص في المناعة الكامنة بالجسم، وهو ما قد يزيد من التعرض لمثل هذه العدوى.
**الفحص والتشخيص**
تشخيص داء المكورات السحائية قد يكون معقداً بعض الشيء، فأعراضه وعلاماته تتشابه كثيراً مع أمراض أخرى، مما يجعله تحدياً للأطباء. لكن عند الاشتباه بالإصابة، يقوم الأطباء بجمع عينات من الدم أو السائل الدماغي الشوكي – ذلك السائل الذي يحيط بالحبل الشوكي – ثم تُرسل هذه العينات إلى المختبر لتحليلها. وهنا، إذا وُجدت البكتيريا، يمكن للمختصين زراعتها واختبارها، وهذا يساعد بشكل كبير في تحديد سبب العدوى واختيار المضاد الحيوي الأنسب. وفي بعض الحالات التي لا تظهر فيها النتائج واضحة من زراعة العينات، يمكن اللجوء إلى اختبارات أخرى أكثر دقة للكشف عن البكتيريا وتحديد هويتها.

**العلاج والتعافي**
يعتمد علاج داء المكورات السحائية بشكل أساسي على المضادات الحيوية. فإذا اشتبه الطبيب في إصابة المريض بهذا الداء، فإنه يبدأ بإعطاء المضادات الحيوية فوراً، إذ إن السرعة هنا حاسمة في تقليل خطر الوفاة. وبحسب مدى شدة العدوى، قد يحتاج المصابون إلى علاجات إضافية داعمة، قد تشمل الدعم التنفسي، أو أدوية لمعالجة انخفاض ضغط الدم، وقد تتطلب بعض الحالات إجراء جراحي لإزالة الأنسجة المتضررة أو الميتة، بالإضافة إلى العناية بالجروح في المناطق التي تضررت فيها البشرة.









