جينات ألزهايمر.. ذباب الفاكهة يقود ثورة علمية لفهم المرض
كيف قاد ذباب الفاكهة العلماء إلى فهم أعمق لجينات ألزهايمر؟ دراسة أمريكية تفتح آفاقاً علاجية جديدة.

في خطوة قد تغير مسار فهمنا لمرض ألزهايمر، نجح فريق بحثي أمريكي في فك شفرة عمل جينات ألزهايمر المسببة للمرض، مستخدماً نموذجاً غير متوقع وهو ذباب الفاكهة. هذا الاختراق العلمي لا يقتصر على تحديد الجينات الخطرة، بل يرسم خريطة دقيقة لكيفية تأثيرها على الدماغ، ما يفتح الباب أمام علاجات مستقبلية أكثر دقة.
لفترة طويلة، شكلت مئات الجينات المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر لغزاً للعلماء. ورغم تحديد هذه الجينات في دراسات سابقة، ظلت وظائفها الدقيقة داخل الدماغ غامضة، وهو ما يمثل العقبة الأكبر أمام تطوير أي علاج فعال. الدراسة الجديدة التي قادها باحثون في كلية بايلور للطب ومعهد دان ودانكن للأبحاث العصبية، تقدم رؤية غير مسبوقة لحل هذا اللغز.
اعتمد الفريق على ذباب الفاكهة، وهو كائن صغير أثبت أنه عملاق في مجال الوراثة العصبية. يرجع السبب إلى التشابه الكبير بين جيناته والجينات البشرية، بالإضافة إلى دورة حياته القصيرة التي لا تتجاوز 10 أسابيع، مما يسمح للباحثين بدراسة تأثير الشيخوخة والأمراض العصبية في فترة زمنية مضغوطة، وهو ما يستحيل تحقيقه في النماذج الأخرى.
خريطة جينية جديدة
استخدم الباحثون ذباباً معدلاً وراثياً، حيث قاموا بتعطيل وظيفة كل جين من الجينات المئة المرتبطة بالمرض، كلٌ على حدة. وبحسب جينيفر ديجر، المؤلفة الرئيسية للدراسة، راقب الفريق بدقة كيف أثر تعطيل كل جين على بنية الدماغ، وسلوك الخلايا العصبية، وقدرة الحشرة على مقاومة الضغوط البيئية مثل الحرارة أو الصدمات الميكانيكية.
كشفت النتائج عن تحديد 50 جيناً مرشحاً يمكن ربطها مباشرة بخطر الإصابة بألزهايمر، حيث أثرت بشكل مباشر في بنية الدماغ ووظائفه. والأخطر من ذلك، وجد الفريق أن 18 من هذه الجينات تسببت في ظهور علامات واضحة لـلتنكس العصبي بمجرد تعطيلها. وكان أبرز مثال هو الجين المعروف بـ Snx6، الذي أدى تعطيله إلى ظهور فجوات في أنسجة دماغ الذبابة، وهي علامة تشبه إلى حد كبير ما يحدث في أدمغة البشر المصابين بالمرض.
لم يتوقف الأمر عند البنية التشريحية، بل امتد إلى الوظائف الحيوية. فقد تبين أن 35 جيناً كانت ضرورية للحفاظ على النشاط الكهربائي السليم للخلايا العصبية، بينما كانت 8 جينات أخرى حاسمة لقدرة الذباب على التعافي من الإجهاد. وعند تعطيلها، أظهرت الحشرات أعراضاً تشبه الاختلاج أو الشلل المؤقت، مما يعكس خللاً عميقاً في الوظائف العصبية.
ألزهايمر ليس مرضاً واحداً
أحد أهم الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة هو أن مرض ألزهايمر ليس كياناً مرضياً واحداً ذا مسار ثابت، بل هو على الأرجح مجموعة من الاضطرابات المتقاربة التي تنشأ من مسارات بيولوجية مختلفة. هذا المفهوم، المعروف علمياً بـ”التغاير السببي”، يفسر لماذا تختلف الأعراض بشكل كبير من مريض لآخر، ولماذا تفشل بعض العلاجات مع حالات بينما تنجح مع أخرى.
يدعم هذا التحليل نتائج اختبار تأثير الجينات على البروتينين السامين المرتبطين بالمرض، أميلويد-بيتا وتاو. فقد وجد الباحثون أن 28 جيناً غيرت من استجابة الدماغ لهذين البروتينين؛ فبعضها زاد من حدة الضرر، بينما عمل البعض الآخر كدرع واقٍ للخلايا العصبية. هذا التباين يعني أن كل مريض قد يحتاج إلى علاج يستهدف مساره الجيني الخاص.
من المختبر إلى العلاج
لترجمة هذه النتائج إلى خطوات عملية، أنشأ الفريق بوابة إلكترونية مفتوحة المصدر باسم ALICE، تتيح للباحثين حول العالم الوصول إلى كافة بيانات الدراسة. تهدف هذه الخطوة إلى تسريع وتيرة أبحاث الدماغ واكتشاف أهداف علاجية جديدة، عبر تضافر الجهود الدولية.
يؤكد الباحثون أن الهدف النهائي يتجاوز مجرد إبطاء المرض، كما تفعل الأدوية الحالية، إلى تصميم استراتيجيات علاجية تستهدف جذور المشكلة. فبدلاً من التركيز فقط على إزالة البروتينات المتراكمة، يمكن تطوير أدوية تستهدف الجينات المسؤولة عن إنتاجها أو التي تعطل قدرة الخلايا على التخلص منها، وهو ما يمثل أملاً حقيقياً في الوصول إلى علاج ألزهايمر.
تمثل هذه الدراسة نموذجاً لأهمية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الوراثية الضخمة. فالربط بين أنماط الجينات في ذباب الفاكهة وبيانات المرضى البشرية لم يكن ممكناً لولا استخدام خوارزميات متقدمة. والخطوة التالية، كما يقول الفريق، هي اختبار هذه النتائج في نماذج أكثر تعقيداً مثل الفئران والخلايا العصبية البشرية المزروعة، للاقتراب أكثر من فهم المراحل الأولى للمرض قبل ظهور أعراضه.









