اقتصاد

جوجل والذكاء الاصطناعي: كيف قلب سوندار بيتشاي الطاولة في سباق التكنولوجيا؟

من فشل "بارد" إلى صدارة الأسهم.. قصة عودة جوجل المذهلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

قبل عامين فقط، كان المشهد ضبابيًا. أطلق “تشات جي بي تي” شرارة سباق محموم، وبدا أن جوجل، العملاق الذي طالما ارتبط بالابتكار، قد تأخر عن الركب. دارت الهمسات في وادي السيليكون حول ثقافة الشركة المترهلة، وقيادة رئيسها التنفيذي الهادئ، سوندار بيتشاي. لكن الصورة الآن تبدو مختلفة تمامًا.

صحوة العملاق

في تحول لافت، أصبحت “ألفابت”، الشركة الأم لجوجل، الحصان الرابح بين أسهم “السبعة العظيمات” هذا العام، متفوقة حتى على “إنفيديا”. يُرجع مراقبون هذا الصعود إلى قرارات حاسمة اتخذها سوندار بيتشاي، الذي أدرك أن لحظة “بيرل هاربر” التكنولوجية التي أحدثها “تشات جي بي تي” لم تكن نذير نهاية، بل دعوة للاستيقاظ والالتزام الكامل بسباق الذكاء الاصطناعي.

كانت الخطوة الأذكى هي إعادة هيكلة الشركة ومنح ديميس هاسابيس، العقل المدبر وراء “ديب مايند”، سلطة أكبر. فبدلاً من رؤيته كمنافس، استثمره بيتشاي كأقوى أصوله. وهنا يكمن الفارق بين الإدارة وردة الفعل، والقيادة وصناعة المستقبل.

بداية متعثرة

بالتأكيد، لم تكن الطريق مفروشة بالورود. جاء إطلاق “بارد” (الذي أصبح لاحقًا “جيميني”) متسرعًا ومحفوفًا بالأخطاء، لدرجة أن موظفين داخل الشركة وصفوه بأنه “مُحرج” و”أسوأ من عديم الفائدة”. وزاد الطين بلة مولّد الصور الذي أنتج صورًا غير دقيقة تاريخيًا، مما وضع بيتشاي في موقف لا يُحسد عليه.

محرك لا يهدأ

لكن المخاوف من تآكل عائدات الإعلانات أو خسارة معركة الذكاء الاصطناعي السحابي تبددت سريعًا. فقد حققت “جوجل كلاود” نموًا سنويًا يقارب 30%، مدفوعة بتكامل فريد بين خبرتها السحابية وقدراتها في الذكاء الاصطناعي. والأهم، أن الشركات بدأت تتبنى شرائح جوجل المخصصة كبديل فعال ومنخفض التكلفة لرقائق “إنفيديا”، في خطوة تعكس فهمًا عميقًا لاحتياجات السوق.

على جبهة المستهلكين، لم يقوض الذكاء الاصطناعي أعمال البحث التقليدية، بل وسّعها. نمت إعلانات البحث بنسبة 15% لتصل إلى 56.6 مليار دولار، مدعومة بميزات ذكية جديدة. ويبدو أن المستخدمين، البالغ عددهم الآن 650 مليونًا لـ”جيميني”، قد تبنوا هذا التغيير.

ترسانة متكاملة

القوة الحقيقية لجوجل، والتي يغفل عنها الكثيرون، لا تكمن في نموذج لغوي واحد، بل في ترسانتها المتكاملة من الخدمات. فالبيانات التي تملكها من الخرائط، والبريد الإلكتروني (Gmail)، ويوتيوب، وأندرويد، تشكل كنزًا لا يقدر بثمن. هذه البيانات تمنحها القدرة على بناء مساعد شخصي فائق الذكاء يفهم سياق المستخدم بعمق لا يمكن لأي منافس مجاراته.

رؤية المستقبل

تخيل عالمًا تطلب فيه من مساعد جوجل توصية بفيلم، فيبحث عن التقييمات، ويعرض لك المقطع الدعائي على يوتيوب، ويحجز التذاكر عبر “جوجل باي”، ثم يحجز طاولة في مطعم قريب يعرف أنك تحبه، ويرسل سيارة ذاتية القيادة من “وايمو” لاصطحابك. هذا ليس خيالًا علميًا، بل هي قدرات تمتلكها جوجل اليوم. كل ما يتطلبه الأمر هو ربط هذه النقاط بذكاء، وهو ما يفعله بيتشاي الآن.

في النهاية، يبدو أن جوجل لم تكن نائمة، بل كانت تستعد للحظة المناسبة. إذا نجح بيتشاي في دمج هذه الترسانة الهائلة بسلاسة، فسيتطلب الأمر أكثر من مجرد روبوت دردشة ذكي للتغلب على عملاق التكنولوجيا في معركة الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *