جدل دستوري يُجبر الحكومة على التراجع: رسوم الخارجية تعود إلى الخزانة العامة للدولة
بعد مواجهة برلمانية حادة، الحكومة تسحب تعديلاً مثيراً للجدل حول أموال صناديق وزارة الخارجية الخاصة

في خطوة عكست حيوية الدور الرقابي لمجلس النواب، استجابت الحكومة المصرية لضغوط برلمانية واسعة، معلنةً سحب تعديل تشريعي كان يهدف إلى تخصيص إيرادات رسوم مباني وزارة الخارجية في الخارج لصالح صناديق خاصة، بدلاً من إيداعها في الخزانة العامة للدولة.
تفاصيل المواجهة التشريعية
اندلع الجدل خلال الجلسة العامة للمجلس حول المادة الثالثة من تعديل مقترح على القانون رقم 212 لسنة 1980. كانت المادة المستحدثة تقضي بتوجيه حصيلة الرسوم إلى “الهيئة العامة لصندوق تمويل مباني وزارة الخارجية”، مع تخصيص نسبة 5% من هذه الإيرادات لصندوقي تأمين، أحدهما لأعضاء السلك الدبلوماسي والآخر للعاملين بالوزارة من غير الدبلوماسيين.
قادت النائبة إيريني سعيد جبهة الرفض، مؤكدة أن المقترح يمثل مخالفة دستورية صريحة، حيث أن المبدأ المستقر هو أن جميع الرسوم والإيرادات السيادية يجب أن تؤول إلى الخزانة العامة. وأضافت أن تمويل الصناديق الخاصة يتم عادةً عبر اشتراكات أعضائها، وليس من خلال اقتطاع مباشر من إيرادات الدولة، وهو ما أيدته النائبة ميرفت أليكسان مطر التي طالبت بإلغاء التعديل بالكامل.
دفاع حكومي وتراجع حاسم
في المقابل، دافع المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية، عن الموقف الحكومي، معتبراً أن للحكومة الحق في تخصيص مواردها بما يخدم أهدافها، وأن الحصيلة ستظل خاضعة لرقابة البرلمان. واستند إلى المادة 38 من الدستور المصري التي تتحدث عن أهداف النظام الضريبي بشكل عام، موضحاً أن الدولة تساهم بالفعل في تمويل هذه الصناديق.
إلا أن تدخل النائب إيهاب الطماوي، وكيل اللجنة التشريعية، والذي دعا الحكومة إلى إعادة النظر في موقفها ومراعاة رؤية النواب، شكّل نقطة تحول في النقاش. وعلى إثر ذلك، أعلنت الحكومة استجابتها الفورية، وقررت حذف المادة محل الخلاف، مكتفيةً بإقرار الزيادة في قيمة الرسوم مع ضمان توجيه كامل الحصيلة إلى الخزانة العامة.
ما وراء التعديل: مركزية المال العام
تجاوز هذا النقاش مجرد كونه خلافاً على بند قانوني، ليكشف عن صراع أعمق حول فلسفة إدارة المال العام في مصر. إن إصرار النواب على رفض تحويل الإيرادات إلى صناديق خاصة يعكس توجهاً متزايداً نحو تعزيز مركزية الموازنة العامة للدولة، ورفض الوحدات ذات الطابع الخاص التي تعمل خارج إطار الموازنة الموحدة، والتي غالباً ما تواجه انتقادات تتعلق بغياب الشفافية وصعوبة الرقابة على إنفاقها.
يمثل تراجع الحكومة انتصاراً لمبدأ وحدة الموازنة، ويؤكد على أن البرلمان بات أكثر حساسية تجاه أي محاولة لإنشاء مسارات تمويل موازية قد تضعف من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الأولويات الوطنية الشاملة. هذا الحدث قد يرسم ملامح العلاقة المستقبلية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في كل ما يتعلق بالسياسات المالية وإدارة موارد الدولة.









