توت عنخ آمون: فصل جديد في تاريخ الحضارة المصرية
المتحف المصري الكبير يفتتح أبوابه لاستقبال كنوز الملك الذهبي لأول مرة كاملة

بعد خمسة أيام فقط، يترقب العالم حدثًا تاريخيًا في قلب القاهرة، حيث يستعد الملك الذهبي توت عنخ آمون لاستقبال زواره في مقره الجديد بالمتحف المصري الكبير. هذا الانتقال يمثل فصلًا مضيئًا جديدًا في قصة الحضارة المصرية القديمة، حيث ستُعرض كنوزه كاملة لأول مرة منذ اكتشاف مقبرته في 4 نوفمبر 1922.
لطالما كان الملك الشاب محور اهتمام عالمي، فمنذ اكتشاف مقبرته، استقبل في مقره السابق بالمتحف المصري بالتحرير عشرات الملوك والزعماء ورؤساء الدول. هذه الزيارات المتواصلة تعكس المكانة الفريدة للحضارة المصرية وتأثيرها الدائم على الوعي الإنساني، مؤكدةً على قيمة التراث الإنساني الذي تمثله مصر.
زعماء العالم في ضيافة الملك الذهبي
من بين أبرز الشخصيات التي زارت الملك الذهبي في المتحف القديم، أحمدو أهيدجو رئيس الكاميرون في 15 أكتوبر 1962، ورافقه عبد المنعم الصاوي وكيل وزارة الثقافة آنذاك. كما ضمت القائمة رادا خروشوف كريمة رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي السابق في 9 يونيو 1963، وهامانى ديوري رئيس النيجر في 6 يوليو 1963، مما يؤكد الاهتمام الدبلوماسي والثقافي المبكر بـالآثار المصرية.
استمرت هذه الزيارات الرفيعة المستوى لتشمل ايرل وارن رئيس المحكمة العليا للولايات المتحدة وزوجته نينا اليزابيث في 21 يوليو 1963، وعبد السلام عارف رئيس العراق في 21 أغسطس 1963. هذه اللقاءات لم تكن مجرد جولات سياحية، بل كانت اعترافًا عالميًا بقيمة كنوز الملك الذهبي.
كما زار الملك الذهبي شواين لاي رئيس وزراء الصين في 15 ديسمبر 1963، ورافقه كمال رفعت عضو مجلس الرئاسة، وملك ماليزيا سيد بوترا في 23 أبريل 1965. الرئيس السنغالي ليبولد سيدار سينجور والوفد المرافق له زاروا المتحف في 21 مايو 1966، مما يبرز الأهمية الثقافية والدبلوماسية لهذه الكنوز.
الرئيس الفرنسي شارل ديجول حرص عند عرض كنوز الملك الذهبي في باريس في 12 مايو 1967 على زيارة المعرض لمشاهدة بعض مقتنيات توت عنخ آمون. كما كانت الملكة اليزابيث الثانية ملكة إنجلترا من أبرز الزوار خلال معرض لندن في 31 مارس 1972، ورافقها عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء وزير الثقافة والإعلام آنذاك.
وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر زار الملك الذهبي في 28 فبراير 1974، مبديًا انبهارًا عميقًا بأسرار الحضارة المصرية القديمة. هذا الانبهار دفع زوجته نانسي كيسنجر لزيارة المتحف في 13 فبراير 1975، مما يؤكد كيف تتجاوز هذه الآثار حدود السياسة لتلامس الوجدان الإنساني.
في عام 1976، زار الدوق هنرى جان دوق لوكسمبورج والدوقة جوزفين شارلوت الملك توت عنخ آمون في 10 يناير. كما زارت حرم شاه إيران فرح ديبا بصحبة السيدة جيهان السادات في 26 نوفمبر، وروث كارتر شقيقة الرئيس الأمريكي في 13 سبتمبر 1978، مما يوضح استمرار جاذبية الملك الشاب للدوائر العليا.
الأميرة ديانا، أميرة ويلز الراحلة، أمضت أكثر من 5 ساعات في التجول بين مقتنيات الملك الشاب في 14 مايو 1992، معربة عن انبهارها بالتقدم العلمي المذهل للمصريين القدماء. هذه الزيارة تعكس كيف يظل توت عنخ آمون مصدر إلهام ودهشة للأجيال المختلفة، وتثير التساؤلات حول أسرار التحنيط الغامضة.
الرئيس الصيني جيانج زيمين زار الملك الذهبي في مايو 1996، معبرًا عن دهشته بمستوى الفن والتقدم لدى المصريين القدماء. هذا التقدير يؤكد أن كنوز الملك الشاب ليست مجرد آثار، بل هي رسائل حضارية خالدة تعبر عن اهتمام الحضارة الفرعونية بنقل تراثها الإنساني للأجيال القادمة.
المتحف المصري الكبير: وجهة عالمية جديدة
قبل الانتقال الرسمي للملك الذهبي إلى مقره اللائق به داخل المتحف المصري الكبير، حرص العديد من الرؤساء والمسؤولين على زيارة المتحف قبل افتتاحه. من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الفيتنامي لوونج كوونج، والرئيس الأنجولي جواو لورينسو، ورئيس جزر القمر غزالي عثماني، ورئيس سنغافورة ثارمان شانموجاراتنام.
كما شملت قائمة الزوار رئيس وزراء كرواتيا أندريه بلينكوفيتش، ورئيس وزراء صربيا ديورو ماتسوت، ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والشرق الأوسط مسعد بولس، بالإضافة إلى الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بان كي مون. هذه الزيارات الاستباقية تؤكد الأهمية الاستراتيجية للمتحف الجديد كمركز ثقافي عالمي.
بعد خمسة أيام فقط، سيواصل الملك الذهبي توت عنخ آمون سلسلة لقاءاته التاريخية، مستقبلاً ملوك وزعماء العالم في مقره الملكي الجديد الذي سيفتتح رسميًا في الأول من نوفمبر المقبل. هذا الافتتاح يمثل نقطة تحول في عرض الآثار المصرية للعالم، ويعزز مكانة مصر كمهد للحضارات.
قاعة الملك الذهبي: عرض غير مسبوق
تم تخصيص قاعة تبلغ مساحتها نحو 7500 متر مربع لعرض مقتنيات الفرعون الذهبي، وهو ما يعادل سبعة أضعاف مساحة القاعة السابقة بالمتحف المصري بالتحرير. هذه القاعة مزودة بأحدث وسائل العرض المتحفي، من واجهات تحكم بيئي في درجات الحرارة والرطوبة والإضاءة، مما يعكس التزام مصر بتقديم كنوز الملك الذهبي بأفضل صورة ممكنة.
تتضمن القاعة أيضًا وسائل توضيحية حديثة من الجرافيك وبطاقات تعريفية خاصة بكل قطعة، بالإضافة إلى شاشات عرض توضح سيناريو العرض الخاص بالملك الشاب. هذا التطور يهدف إلى إثراء تجربة الزوار وتقديم فهم أعمق لـالحضارة الفرعونية، وجذب المزيد من عشاق السياحة الثقافية.
قناع توت عنخ آمون: تحفة فنية خالدة
يُعد قناع توت عنخ آمون من أهم القطع الأثرية في العالم، متجسدًا فيه عبقرية المصري القديم في التشكيل على المعادن والطرق والزخرفة. اكتُشف القناع عام 1925 عندما قام هوارد كارتر بفتح تابوت الملك في مقبرته بوادي الملوك بالأقصر، ليُصبح رمزًا خالدًا لـمصر القديمة.
يبلغ ارتفاع القناع 54 سم وعرضه 39.3 سم ووزنه 11 كيلوجرامًا، ويتكون من قطعتين من الذهب تم لصقهما ببراعة. يظهر الملك مرتديًا غطاء الرأس النمس، وتعلو جبهته الحية التي تمثل الإلهة واجيت، وطائر العقاب الذي يمثل الإلهة نخبت، مع لحية الإله المعقوفة، مما يبرز التفاصيل الدينية والملكية المعقدة.
أسفل رقبة الملك توجد صدرية تتكون من 12 صفًا من الخرز، ينتهي طرفاها برأس الإله حورس على كل كتف. خلف القناع، ينتهي غطاء الرأس بذيل كبير، وأسفله صفوف عمودية من نصوص كتاب الموتى، وهي التعويذة رقم 151 ب، التي تتحدث عن تطابق أعضاء جسم المتوفى بالإله، مما يكشف عن عمق الفكر الديني لدى الفراعنة.
أثبت المصري القديم براعته في صناعة هذا القناع بتطعيم شرائط غطاء الرأس والذيل بالزجاج الأزرق الذي يقلد اللازورد، وكذلك الحواجب وخطوط تجميل الوجه. بياض العين صنع من حجر الكوارتز وسوادها من حجر الأوبسيديان، بينما كانت اللحية مضفورة من الزجاج الملون في إطار من الذهب، مما يعكس مستوى فنيًا لا يضاهى في تاريخ مصر.
الصدرية طُعّمت بالأحجار شبه الكريمة مثل اللازورد والياسبار والكارنيليان والأوبسيديان. هذه المواد الثمينة والتفاصيل الدقيقة لا تظهر فقط ثراء العصر، بل تؤكد أيضًا المهارة الفائقة للحرفيين المصريين القدماء وقدرتهم على تحويل المواد الخام إلى أعمال فنية خالدة، لتظل مقتنيات توت عنخ آمون شاهدة على عبقرية حضارة عظيمة.
كنوز تُعرض لأول مرة
تُعرض المجموعة الكاملة لمقتنيات وكنوز الفرعون الذهبي، من خلال 107 لوحات عرض، بعد انتهاء مركز ترميم الآثار بالمتحف الكبير من ترميمها. هذا الجهد الضخم يضمن الحفاظ على هذه الكنوز وتقديمها بأفضل شكل ممكن للجمهور العالمي، مما يعكس التزام مصر بالحفاظ على إرثها.
من بين هذه القطع، توجد آثار كانت في حالة سيئة من الحفظ وموجودة بمخازن المتحف المصري بالتحرير، ولم يتم عرضها من قبل. سيكون هذا أول عرض لها بقاعة توت عنخ آمون عند افتتاح المتحف الكبير، مما يتيح للجمهور فرصة فريدة لاكتشاف جوانب جديدة من تاريخ الملك الشاب ووادي الملوك.









