تصريحات أنجيلا ميركل تشعل غضب أوروبا الشرقية.. هل فشلت سياسة «الأم»؟

في عاصفة سياسية جديدة، وجدت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل نفسها في مرمى نيران غاضبة من بولندا ودول البلطيق، بعد تصريحات أشعلت جدلاً واسعاً حول إرثها السياسي، وأعادت فتح دفاتر الماضي بشأن المسؤولية عن تمكين روسيا من غزو أوكرانيا. الانتقادات الحادة لم تأت من فراغ، بل أعادت تسليط الضوء على نهجها الذي وُصف طويلاً بالتساهل مع فلاديمير بوتين.
الأزمة لم تعد مجرد خلاف في وجهات النظر، بل أصبحت تشكيكاً في جوهر سياسة ميركل التي هيمنت على القارة العجوز لعقدين، خاصة مع تفكيك حكومة خلفائها لركائز سياساتها في ملفي الهجرة والطاقة. تصريحاتها الأخيرة بدت وكأنها محاولة للدفاع عن إرثها، لكنها تحولت إلى ما يشبه إلقاء اللوم على جيران ألمانيا الشرقيين.
شرارة الأزمة: ماذا قالت ميركل؟
في مقابلة إعلامية، لمحت ميركل إلى أن رفض دول أوروبا الشرقية، وعلى رأسها بولندا، السماح بإجراء محادثات مباشرة بين الاتحاد الأوروبي وبوتين في يونيو 2021، كان فرصة ضائعة. وقالت: “شعرت أن بوتين لم يعد يأخذ اتفاق مينسك على محمل الجد”، في إشارة إلى اتفاق السلام الهش الذي كان يهدف لحل الصراع في شرق أوكرانيا.
وأضافت ميركل أنها والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أرادا آنذاك “صيغة جديدة” للحوار المباشر مع الكرملين، لكن الاقتراح قوبل بالرفض. وأوضحت أن دول البلطيق وبولندا “كانت خائفة” من عدم وجود سياسة أوروبية موحدة، وتابعت: “على أي حال، لم يحدث ذلك. ثم غادرتُ المنصب، وبعدها بدأت عدوانية بوتين”.
ردود فعل غاضبة.. اتهامات بالفشل
هذه الرواية لم تمر مرور الكرام. رئيس وزراء لاتفيا السابق، كريشانيس كارينش، رد بحدة قائلاً إن دولاً كثيرة، “بما في ذلك ألمانيا والمستشارة السابقة نفسها”، لم تكن تفهم حقيقة روسيا. وأضاف: “قلتُ لها باستمرار إنك لا يمكنك التعامل مع بوتين بحسن نية… من المدهش أنها ما زالت تفكر بهذه الطريقة بعد كل ما حدث في أوكرانيا“.
من جانبه، أكد وزير خارجية إستونيا، مارجوس تساهكنا، أن روسيا وحدها تتحمل مسؤولية غزو أوكرانيا، واصفاً الحرب بأنها نتاج “طموحاتها الإمبريالية”. أما في بولندا، فقد كانت ردود الفعل أكثر قسوة، حيث وصف رئيس الوزراء السابق ماتيوش مورافيتسكي ميركل بأنها “من أكثر السياسيين الألمان ضرراً على أوروبا خلال القرن الماضي”.
دفاع ودعاية.. انقسام في التقييم
في المقابل، رأى البعض أن كلمات ميركل تم تحريفها، حيث دافع السفير البولندي السابق لدى واشنطن، ماريك ماجيروفسكي، بأنها لم تقل صراحة إن بولندا مسؤولة عن الحرب، بل أشارت فقط إلى رفضها صيغة الحوار. لكنه لم يتردد في وصف فترة حكمها بأنها “كارثة كبرى لألمانيا وأوروبا”، مما يعكس الانقسام العميق حول تقييم سياسة ميركل.
في النهاية، تظل تصريحات المستشارة السابقة بمثابة شهادة على الصدع التاريخي في فهم نوايا موسكو بين شرق أوروبا وغربها. فبينما كانت ألمانيا تراهن على الدبلوماسية والتجارة، كانت دول الجوار الشرقي تدق ناقوس الخطر من التهديد الروسي، وهو ما أثبتت الأحداث صحته، ليظل إرث “الأم” ميركل مثيراً للجدل أكثر من أي وقت مضى.









