تحذير صحي عالمي: العالم على شفا وباء جديد غير مستعد له
أربعة فيروسات رئيسية تهدد بـ 'المرض X' وسط تراجع التطعيم وضعف المراقبة

أطلق المجتمع الصحي العالمي تحذيرًا صارخًا، مؤكدًا أن العالم ‘يقترب بشكل خطير’ من وباء جديد لا يزال غير مستعد له على الإطلاق. وفي ظل تدهور البنية التحتية للصحة العامة تحت وطأة انخفاض معدلات التطعيم والتطور السريع للفيروسات، تتشكل ‘عاصفة مثالية’ من التهديدات الوبائية.
وحدد الخبراء أربعة فيروسات بعينها – جدري القردة، والحصبة الألمانية، وإنفلونزا الطيور (H5N1)، وأوروبوش – كمرشحات رئيسية لـ ‘المرض X’، وهو الاسم المؤقت الذي وضعته منظمة الصحة العالمية لأي مسبب مرضي غير معروف حاليًا أو متحور قد يشعل الأزمة العالمية القادمة.
وبخلاف الظهور المفاجئ لكوفيد-19، فإن هذه التهديدات المحتملة لعام 2026 تعد ‘مجهولات معلومة’؛ أي فيروسات تنتشر بالفعل بين الحيوانات أو البشر، وتفصلها طفرة واحدة كبيرة عن الانتشار الكارثي. ويشدد العلماء على أن هذا ليس مجرد تنبؤ، بل هو تقييم للمخاطر يستند إلى البيانات الحالية وضعف المناعة والثغرات في المراقبة العالمية. الهدف ليس إثارة الذعر، بل تعزيز الاستعداد – وقد يكون الوقت المتاح للتحرك آخذًا في الضيق.
تطور جدري القردة الخطير
بعد أن كان يُعتبر مرضًا غريبًا ومحصورًا جغرافيًا، تحول جدري القردة إلى تهديد عالمي راسخ يرفض الانحسار.
وحذر الدكتور مايكل هيد، زميل الأبحاث في الصحة العالمية بكلية الطب بجامعة ساوثهامبتون، من أن ‘تفشي جدري القردة مستمر في العديد من دول العالم، بما في ذلك أوروبا، على سبيل المثال إسبانيا’، مضيفًا أن ‘سلالات جديدة تظهر، ومن الواضح بشكل متزايد أن الفيروس، الذي كان نادرًا جدًا في السابق، أصبح الآن موجودًا عالميًا بشكل دائم’.
لقد كان مسار الفيروس مذهلاً. فمنذ مايو 2022، اجتاحت موجة من التفشيات غير المسبوقة ما لا يقل عن 100 دولة لم يمسها جدري القردة من قبل، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا القارية وكندا. وقرب نهاية عام 2025، اكتُشفت سلالة متحورة من جدري القردة في إنجلترا – وهي هجين يجمع عناصر من سلالتين خطيرتين، Ib و IIb.
ويحذر باحثو منظمة الصحة العالمية الآن من أنه تم الإبلاغ عن 43 حالة مؤكدة جديدة من سلالة Ib الأكثر عدوانية عبر ست مناطق عالمية منذ سبتمبر 2025، حيث لم تظهر 24 من هذه الحالات أي تاريخ سفر حديث، مما يشير إلى دليل مقلق على الانتقال المحلي.
عودة الحصبة الألمانية: تهديد حقيقي
الحصبة الألمانية، التي كان يُعتقد في السابق أنها كادت أن تُستأصل، عادت لتظهر كتهديد حقيقي مع انهيار معدلات تلقي لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) إلى أدنى مستوى لها منذ 15 عامًا. ويخشى الدكتور هيد من أن الفيروس قد يعود بقوة مدمرة بين السكان الذين أصبحوا بلا حماية بسبب تراجع معدلات التحصين.
النتائج باتت واضحة ومقلقة للغاية. فإذا أصيبت امرأة بالحصبة الألمانية أثناء الحمل، يمكن للفيروس أن يسبب متلازمة الحصبة الألمانية الخلقية في ما يصل إلى 85 بالمائة من الحالات، مما يؤدي إلى الإجهاض أو ولادة جنين ميت أو عيوب خلقية مدمرة تشمل الصمم ومشاكل القلب والإعاقات الذهنية.
وتُعد عودة ظهور الحصبة الألمانية في عام 2026 نتيجة مباشرة للانخفاض ‘الكارثي’ في معدلات تلقي لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)، والذي وصل إلى أدنى مستوى له منذ 15 عامًا في مناطق مثل المملكة المتحدة وأوروبا الغربية.
مؤشر خطر: ارتفعت حالات الحصبة في المملكة المتحدة إلى أعلى مستوى لها منذ عقد في أبريل 2025، لتكون بمثابة تحذير بشأن الحصبة الألمانية.
مخاطر خلقية: في حال أصبحت الحصبة الألمانية متوطنة مرة أخرى، فإن خطر متلازمة الحصبة الألمانية الخلقية (التي تسبب الصمم وعيوب القلب لدى المواليد الجدد) قد يؤثر على ما يصل إلى 85% من حالات الحمل التي تصاب فيها الأم بالعدوى.
فجوة اللقاحات: انخفضت معدلات التطعيم في المملكة المتحدة إلى 84.4%، وهو أقل بكثير من عتبة ‘مناعة القطيع’ التي توصي بها منظمة الصحة العالمية بنسبة 95%.
وقد تجلى الانخفاض في تلقي اللقاح المنقذ للحياة بالفعل في إحصائيات الحصبة الصادمة، حيث ارتفعت الحالات بشكل حاد في المملكة المتحدة منذ أبريل 2025 – لا سيما في الشمال الغربي ولندن – لتصل إلى أعلى عدد لها منذ أكثر من عقد.
تنتشر الحصبة، وهي أحد أكثر الأمراض المعدية في العالم، عندما يتنفس الشخص المصاب أو يسعل أو يعطس. ويمكن للفيروس أن يسبب مرضًا شديدًا ومضاعفات وحتى الوفاة.
إنفلونزا الطيور وأوروبوش: عوامل مجهولة ناشئة
لقد ظلت إنفلونزا الطيور تثير تحذيرات الصحة العامة لعقود، لكن سلالة H5N1 الحالية أثبتت أنها ‘شديدة الخطورة’.
منذ عام 2020، أدت هذه السلالة إلى تدمير أعداد الطيور البرية والدواجن في جميع أنحاء العالم بشكل عدواني، متحورة لتنتشر من الطيور إلى الثدييات مثل أبقار الألبان – والأهم من ذلك، لتنتشر عبر الحليب نفسه.
وحذر الدكتور إد هاتشينسون، أستاذ علم الفيروسات الجزيئية والخلوية بجامعة غلاسكو، من أنه ‘طالما أن H5N1 ينتشر ويصيب البشر، فإنه سيشكل خطرًا وبائيًا’، وأنه على الرغم من وجود مضادات الفيروسات واللقاحات، فإن ‘وباء إنفلونزا جديد سيظل يمثل تحديًا كبيرًا’.
سجلت المملكة المتحدة أولى حالاتها على الإطلاق من فيروس أوروبوش – الذي يُطلق عليه عادة ‘حمى الكسلان’ – العام الماضي، في أعقاب ارتفاع مفاجئ في الحالات عبر أوروبا.
يُعرف المرض رسميًا بفيروس أوروبوش، وينتقل إلى البشر عن طريق البعوض الصغير المصاب، وتظهر الأعراض عادة بعد ثمانية أيام من اللدغة، وتشمل آلام العضلات، وألم العين، والطفح الجلدي، والحساسية للضوء، والقيء.
ويمثل النطاق الجغرافي المتوسع مصدر قلق مستمر، حيث أشار البروفيسور جاكسون من جامعة فيرجينيا إلى أنه ‘في عام 2026، من المرجح أن تستمر تفشيات أوروبوش في التأثير على المسافرين في الأمريكتين’، وأن ‘البعوض الناقل لفيروس أوروبوش موجود في جميع أنحاء أمريكا الشمالية والجنوبية، وقد يستمر نطاق الفيروس في التوسع’.
قائمة ‘المرض X’: لماذا هذه الفيروسات الأربعة بالذات؟
يستخدم الخبراء نهج ‘الصحة الواحدة’ لتصنيف هذه الفيروسات بناءً على ‘قدرتها على الانتقال’. وتشمل معايير عام 2026 لمرشح ‘المرض X’ ما يلي:
- كفاءة الجهاز التنفسي: القدرة على الانتشار عن طريق التنفس أو السعال (H5N1، الحصبة الألمانية).
- المرونة البيئية: القدرة على البقاء في مناخات متنوعة (جدري القردة، أوروبوش).
- التهرب من اللقاحات: التحور بشكل أسرع مما يمكن لـ ‘مكتبات اللقاحات’ الحالية التكيف معه.
ويؤكد باحثو الصحة أن لا يوجد ضمان بأن أيًا من هذه الفيروسات سيصبح الوباء القادم. يكمن الخطر في التراخي. فخبراء يقولون إن تراجع التطعيم، وضعف المراقبة، والانتشار المدفوع بالمناخ، والتردد السياسي تتضافر، مما يعكس علامات الإنذار المبكر التي شوهدت قبل كوفيد-19.
‘المرض X’ ليس نبوءة، بل هو تذكير بأن الوقاية تعتمد على اليقظة والتمويل والثقة – قبل وقت طويل من امتلاء المستشفيات وإغلاق الحدود. (المزيد عن المرض X من منظمة الصحة العالمية)









