في عالم الغولف الاحترافي، قلما تجد قصة تجمع بين الانهيار المأساوي والنهوض الأسطوري مثل قصة النجم الشمال أيرلندي روري ماكلروي. فبينما يستعد لخوض ظهوره الخامس عشر في بطولة الماسترز الأيقونية هذا الأسبوع، يبقى اللقب الوحيد الذي يفصله عن إنجاز “الجراند سلام” المهني هو الفوز بالسترة الخضراء المرموقة. هذا الحلم الذي يراوده منذ سنوات، يحمل في طياته صدى انهيار لا يُنسى شهدته ملاعب أوغوستا الوطنية عام 2011، كان بمثابة نقطة تحول حاسمة في مسيرته.
تلك اللحظات العصيبة في أبريل 2011، حيث كان ماكلروي، الذي لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره آنذاك، يتقدم بفارق أربع ضربات مع بداية الجولة الأخيرة، بدت وكأنها تمهد الطريق لانتصاره الأول في البطولات الكبرى. الشاب الأيرلندي، ذو الوجه اليافع والشعر الكثيف، وصل إلى جورجيا محملاً بسمعة النجم الصاعد للجيل الجديد. موسم 2010 كان الأفضل له منذ احترافه قبل ثلاث سنوات، حيث حقق فوزه الأول في جولة “بي جي إيه” ببطولة كويل هولو، وقدم إسهاماً حاسماً في انتصار الفريق الأوروبي بكأس رايدر.
لكن تجربته السابقة في الماسترز عام 2010 لم تكن مبشرة؛ فبعد إنهاء بطولتي أوبن و”بي جي إيه” في المراكز الثلاثة الأولى، غاب ماكلروي بشكل مفاجئ عن تصفيات الماسترز، في أول إقصاء له من بطولة كبرى. هذا الأداء المقلق دفعه لأخذ إجازة قصيرة من المنافسات. غير أن عام 2011 بدا وكأنه محا تلك الذكريات، حيث حلق ماكلروي في سماء أوغوستا بثقة. افتتح البطولة بتسجيل 65 ضربة، وهو أدنى رقم له في أي بطولة كبرى، ليتقدم بفارق ضربتين عن أقرب منافسيه، الأسترالي جايسون داي، ووراءه تايغر وودز العائد بقوة.
مع نهاية الجولة الثالثة، عزز ماكلروي صدارته إلى أربع ضربات، ليُظهر هدوءاً ملفتاً رغم ضغط المنافسة ووجود أسماء كبيرة تلاحقه. “إنه موقع رائع… بدأت أشعر بالراحة في هذا الملعب أخيرًا”، هكذا صرح للصحفيين حينها، مضيفاً: “لن أستبق الأحداث، أعرف كيف يمكن للصداره أن تتبدد بسرعة كبيرة. أربع ضربات في هذا الملعب ليست بالكثير”. وقد أثبتت الأيام صدق حدسه المؤلم.
يوم الأحد، العاشر من أبريل 2011، تحولت الأحلام إلى كابوس. بدأ الانهيار المأساوي في الجولة الأخيرة. فبعد أول ضربة غير موفقة في الحفرة الأولى، تبعتها ضربة ثلاثية كارثية في الحفرة العاشرة، حيث ارتطمت كرته بشجرة لترتد بعيداً. لم يكن ذلك سوى بداية لسلسلة من الأخطاء التي جعلته يسقط من الصدارة إلى المركز السابع. تبعتها كوارث أخرى، ففي الحفرة الثالثة عشرة، سقطت كرته في مياه خور راي الشهير، ليتبخر حلم السترة الخضراء تماماً. احتاج ماكلروي لسبع ضربات لعبور الحفرتين السابقتين، لينهي الجولة بـ 80 ضربة، وهو أسوأ أداء له، محتلاً المركز الخامس عشر.
كان المشهد قاسياً: ماكلروي منهاراً على مضربه، رأسه مدفون في ذراعه، وكأنه على وشك البكاء. دقائق قليلة بعد ذلك، انفجر الجمهور فرحاً بتتويج شارل شوارتزل بلقبه الأول في البطولات الكبرى، بعد أن بدأ اليوم بفارق أربع ضربات عن ماكلروي، وأنهى بفارق عشر ضربات عنه. وفي اليوم التالي، كانت الدموع حاضرة في مكالمة هاتفية مع والديه، لكنه أمام الصحافة، كان متفائلاً: “أنا محبط جداً في الوقت الحالي، وسأظل كذلك لبضعة أيام، لكنني سأتجاوز الأمر… إنه يوم الأحد في بطولة كبرى، وهذا ما يمكن أن يحدث. كانت تجربة بناء شخصية… وسأخرج منها أقوى”.
وصدق ما قاله. فبعد ثمانية أسابيع فقط، اكتسح ماكلروي بطولة أمريكا المفتوحة بفارق ثماني ضربات، محققاً رقماً قياسياً بـ 268 ضربة تحت 16، ليصبح أصغر فائز ببطولة كبرى منذ تايغر وودز عام 1997. هذا الانتصار التاريخي كان الشرارة التي أشعلت عصراً ذهبياً له. فاز ببطولة “بي جي إيه” عام 2012، ثم بطولة أوبن 2014، ليصبح ثالث لاعب فقط منذ عام 1934 يحصد ثلاث بطولات كبرى قبل بلوغ الخامسة والعشرين. وقبل نهاية عام 2014، أضاف لقبه الرابع في البطولات الكبرى بفوزه ببطولة “بي جي إيه” مرة أخرى.
العديد من هذه الإنجازات تُعزى إلى تلك الظهيرة المصيرية في أوغوستا. في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية عام 2015، وصف ماكلروي ذلك اليوم بأنه “اليوم الأكثر أهمية” في مسيرته. قال: “لو لم يحدث الانهيار بأكمله، لو خسرت بفارق ضربة واحدة فقط، لما تعلمت الكثير. لحسن الحظ، لم يستغرقني الأمر طويلاً لأجد نفسي في موقف مشابه مرة أخرى، وكنت قادراً على تجاوز الخط بسهولة تامة. لقد كان منحنى تعليمياً هائلاً بالنسبة لي وكنت بحاجة إليه، ولحسن الحظ تمكنت من الانتقال إلى أشياء أكبر وأفضل. بالنظر إلى ما حدث عام 2011، لا يبدو الأمر سيئاً عندما يكون لديك أربع بطولات كبرى على رف جوائزك”.
لكن هذا الرضا جاء بتحفظ: سيكون “من غير المتصور” ألا يفوز بالماسترز في مسيرته. ورغم سبع نهايات ضمن المراكز العشرة الأولى في آخر عشر مشاركات له في أوغوستا، لا تزال السترة الخضراء هي اللقب الوحيد الذي يفصله عن الانضمام إلى نخبة أساطير الغولف الذين أكملوا “الجراند سلام” المهني في العصر الحديث: جين سارازين، بن هوغان، غاري بلاير، جاك نيكلوس، وتايغر وودز. كان أفضل إنجاز له في الماسترز العام الماضي عندما حل وصيفاً خلف سكوتي شيفلر، لكن حتى في ذلك الإنجاز، كان قد بدأ الجولة الأخيرة متأخراً بعشر ضربات، مما يجعل 2011 أقرب ما وصل إليه فعلياً من النصر.
بعمر 33 عاماً، لا يزال الوقت في صالحه. ورغم أن عام 2022 شهد امتداد جفافه من البطولات الكبرى إلى ثماني سنوات، إلا أنه قدم فيه أفضل مستوياته منذ موسمه الذهبي عام 2014. وكما يعرف ماكلروي أفضل من أي شخص آخر، فإن الأمور يمكن أن تتغير بسرعة في أوغوستا الوطنية، حيث قد يُكتب الفصل الأخير من قصة السترة الخضراء المنتظرة.
