اقتصاد

تأجيل صفقة الاتحاد الأوروبي-ميركوسور: سباق مع الزمن وسط خلافات داخلية

فشل القادة الأوروبيين في إنجاز الاتفاق التجاري الأضخم خلال المهلة المحددة، وتطلعات نحو يناير المقبل مع تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية.

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

في خطوة تعكس عمق التحديات التي تواجه السياسة التجارية الأوروبية، أُعلن عن إخفاق قادة الاتحاد الأوروبي في الوفاء بالموعد النهائي الذي حددوه لأنفسهم لإبرام اتفاقية تجارة حرة طال انتظارها مع تكتل دول أميركا الجنوبية “ميركوسور”. كان هذا الأسبوع يحمل آمالاً كبيرة لإنجاز ما يُعد أحد أضخم الاتفاقيات التجارية، لكن مصادر مطلعة على سير المفاوضات كشفت أن الأنظار تتجه الآن نحو شهر يناير المقبل كموعد مستهدف جديد. هذا التأجيل لم يمر دون تحذيرات، فقد سبق أن نبه بعض قادة الاتحاد، ومنهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى أن الفشل في التوصل لاتفاق هذا الأسبوع قد يعرض الصفقة برمتها للخطر، مؤكداً على ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة للحفاظ على مصداقية الاتحاد في الساحة التجارية العالمية. المفوضية الأوروبية، المسؤولة عن ملفات التجارة، لم تصدر أي تعليق فوري على هذه التطورات.

لم يكن قرار التأجيل مفاجئاً تماماً، فقد سبقته حملة ضغط مكثفة قادتها كل من إيطاليا وفرنسا في اللحظات الأخيرة. الدولتان الأوروبيتان أثارتا مخاوف جدية بشأن عدم كفاية آليات الحماية المتاحة للمزارعين الأوروبيين في حال إبرام الاتفاق بشكله الحالي. ومع ذلك، لا يبدو أن الأبواب قد أُغلقت تماماً. فقد كشف الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عن محادثة أجراها مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، حيث أشارت الأخيرة إلى إمكانية دعم بلادها للاتفاق بحلول يناير. وأوضح لولا للصحافيين في برازيليا أن ميلوني أكدت له أنها ليست ضد الاتفاق في جوهره، بل تواجه “إحراجاً سياسياً” داخلياً بسبب قلق المزارعين الإيطاليين، معربة عن ثقتها في قدرتها على إقناعهم بالموافقة. وأضاف لولا نقلاً عنها: “إذا تمكنا من التحلي بالصبر لمدة أسبوع، أو عشرة أيام، أو على الأكثر شهر، فإن إيطاليا ستدعم الاتفاق”.

تكتسب هذه الاتفاقية أهمية استثنائية، فهي تُصنف كأكبر اتفاق تجاري تفاوضت عليه الاقتصادات الأوروبية على الإطلاق، وقد استغرقت مسيرة صياغتها ربع قرن من الزمن. خلال هذه الفترة الطويلة، شهدت المحادثات فترات توقف واستئناف متكررة، حيث سعى المسؤولون جاهدين لمعالجة المخاوف المتزايدة بشأن حماية البيئة وتوحيد معايير المنتجات الزراعية والغذائية ضمن دول تكتل “ميركوسور”. وفي حال إقراره، سيُحدث هذا الاتفاق تحولاً جذرياً، إذ سيُنشئ سوقاً موحدة تضم حوالي 780 مليون مستهلك، مع خطة لإلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من السلع، بما في ذلك السيارات. كما سيفتح أبواباً أوسع لأوروبا للوصول إلى القطاع الزراعي الهائل لدول “ميركوسور”. علاوة على ذلك، يُنظر إلى الاتفاق كخطوة استراتيجية تمنح كلا المنطقتين خيارات تجارية بديلة بعيداً عن الولايات المتحدة، خاصة بعد فرض الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لرسوم جمركية عالمية، مما يعزز من استقلاليتهما الاقتصادية. يمكن الاطلاع على تفاصيل أوسع حول هذه المفاوضات المعقدة عبر الموقع الرسمي للمفوضية الأوروبية: صفحة الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية ميركوسور.

في محاولة أخيرة لإنقاذ الاتفاق من التأجيل، اتخذ البرلمان الأوروبي وعواصم الاتحاد الأوروبي خطوات إضافية، حيث وافقوا على تضمين بنود جديدة تهدف إلى توفير حماية أكبر للمزارعين الأوروبيين من أي تقلبات مفاجئة في الأسعار أو تدفقات الواردات. من جانبها، لم تدخر الحكومة البرازيلية جهداً، وواصلت الضغط بقوة حتى اللحظات الأخيرة لضمان إتمام الاتفاق، حيث وجه الرئيس لولا تحذيراً صريحاً للقادة الأوروبيين بأن الاتفاق لن يُنجز خلال ولايته الرئاسية إذا لم يُوقع في نهاية هذا الأسبوع. وعلى الصعيد الاقتصادي، قدّرت “بلومبرغ إيكونوميكس” أن إبرام هذه الصفقة من شأنه أن يعزز اقتصاد تكتل “ميركوسور” بنسبة تصل إلى 0.7%، بينما سيضيف 0.1% لاقتصاد أوروبا. أما من الناحية الجيوسياسية، فيُتوقع أن يعزز الاتفاق حضور الاتحاد الأوروبي في منطقة أميركا اللاتينية، التي برزت فيها الصين كلاعب اقتصادي رئيسي، سواء كمورد صناعي أو مشترٍ ضخم للسلع الأولية. وقد عبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن خيبة أمله في بروكسل قبيل القمة، قائلاً: “سيكون من المحبط للغاية ألا تنجح أوروبا في التوصل إلى اتفاق مع ميركوسور، بعدما تمكنا بالفعل من إقرار تلك البنود الوقائية للقطاع الأولي الأوروبي في البرلمان الأوروبي ولدينا كل شيء جاهز”. وكانت تقارير سابقة لـ “بوليتيكو” قد أشارت إلى هذا التأجيل المحتمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *