بريطانيا تلوح بسيف الحماية التجارية: استراتيجية الصلب الجديدة تعيد تعريف سياستها الصناعية
لندن تتخلى عن مبادئ التجارة الحرة في محاولة لإنقاذ قطاع الصلب المترنح

كشفت الحكومة البريطانية عن استراتيجيتها الجديدة لقطاع الصلب، خطوة قد تبدو للوهلة الأولى مجرد وثيقة فنية تخص صناعة بعينها. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها تحولاً جذرياً في نهج لندن الاقتصادي، إذ تمثل إشارة واضحة إلى استعداد المملكة المتحدة للتخلي عن عقود من التمسك بمبادئ التجارة الحرة، مفضلةً سياسة أكثر حمائية.
تأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط هائلة يواجهها منتجو الصلب البريطانيون، الذين يكافحون منذ سنوات لمنافسة واردات رخيصة تغرق الأسواق. فمثلاً، تواجه البلاد تدفقاً كبيراً من الصلب المجلفن من دول مثل فيتنام وتركيا، حيث يتمتع المنتجون هناك بإعانات ودعم حكومي ومزايا ضريبية لا يحظى بها نظراؤهم البريطانيون. هذا التفاوت وضع الصناعة المحلية على شفا أزمة وجودية، مع انتهاء صلاحية الحواجز التجارية السابقة، والتي كانت على أي حال غير فعالة بما يكفي.
الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية تتمثل في فرض تعريفة جمركية جديدة بنسبة 50% على العديد من واردات الصلب، إلى جانب تحديد حصص استيراد أقل. هذه الإجراءات، وإن بدت شبيهة بما تعتمده دول أوروبية أخرى، إلا أنها تمثل سابقة خطيرة في سياق السياسة التجارية البريطانية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتحديداً منذ استعادتها السيطرة على سياستها التجارية.
ولم يقتصر الأمر على الحواجز التجارية؛ فالاستراتيجية تضمنت أيضاً ضخاً مالياً كبيراً يصل إلى 2.5 مليار جنيه إسترليني. هذا الدعم سيُخصص جزء منه لمصنع “بريتيش ستيل” في سكونثورب، الذي بات تحت سيطرة الدولة فعلياً، ويُوجه الباقي لدعم شركات الصلب الخاصة في جميع أنحاء المملكة المتحدة، في مساعيها لإنتاج معدن أقل انبعاثاً للكربون. هذا الاستثمار يؤكد على التزام الحكومة بتحديث الصناعة البريطانية وتوجيهها نحو “الصلب الأخضر”، وهو اتجاه عالمي حيوي لمستقبل الصناعات الثقيلة.
طموح آخر تضمنته الاستراتيجية هو رفع نسبة الصلب المنتج محلياً والمستخدم في البلاد من أدنى مستوى تاريخي بلغ 30% إلى 50%. هذا الرقم يعكس مدى تآكل القاعدة الصناعية البريطانية على مر العقود، حيث باتت تعتمد بشكل كبير على الاستيراد حتى في مشاريع البنية التحتية الكبرى، كمزارع الرياح المنتشرة في الريف أو قبالة السواحل، والتي لا يزال معظم مكوناتها تُصنع من صلب مستورد، لعدم توفر القدرة الإنتاجية الكافية محلياً.
لطالما كانت بريطانيا رائدة في مجال التجارة الحرة، بل اعتُبرت “مخترعها”، حيث ألغت قوانين الذرة في القرن التاسع عشر وطرحت مفهوم “الميزة النسبية” للعالم. كان رفع التعريفات الجمركية يُنظر إليه، حتى وقت قريب، على أنه خروج عن هذا الإرث العريق ومخالفة لمبادئ راسخة. لكن يبدو أن الرياح تغيرت، وأمام التحديات الاقتصادية والضغوط الصناعية، اختارت الحكومة أن تغوص في مياه الحمائية، وإن كانت بخطوات محسوبة ومبررة بأنها “أقل وحشية” من تلك المفروضة في أماكن أخرى، كأمريكا إبان عهد ترامب.
لا يمكن التقليل من شأن هذه اللحظة التاريخية. فبعد سنوات من الحديث عن “استعادة السيطرة” على السياسات بعد بريكست، يأتي هذا القرار ليمثل أكبر زيادة في الحواجز التجارية تفرضها حكومة بريطانية منذ جيل كامل. إنها ليست مجرد استراتيجية لقطاع الصلب؛ بل هي بمثابة زلزال يضرب أسس السياسة التجارية البريطانية، ويرسم ملامح حقبة جديدة قد تعيد فيها لندن النظر في أولوياتها الاقتصادية، وتضع حماية صناعاتها المحلية في صدارة أجندتها، حتى لو عنى ذلك الابتعاد عن مبادئ طالما افتخرت بها.









