عرب وعالم

اليابان على مفترق طرق: انتخابات مبكرة تحدد مستقبل الإصلاح الدستوري والاقتصادي

رئيسة الوزراء سانا تاتشي تخاطر بمستقبل اليابان عبر انتخابات مفاجئة وسط تحديات داخلية وخارجية.

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

تتجه اليابان نحو انتخابات مبكرة حاسمة، في خطوة تأتي في ظل سيطرة ائتلاف رئيسة الوزراء سانا تاتشي على أغلبية ضئيلة في البرلمان، ومواجهته استياءً متزايداً بسبب التضخم وجمود الأجور وفضائح تمويل الحزب الليبرالي الديمقراطي (PLD). وقد وصفت تاتشي هذه الخطوة بأنها استفتاء شخصي، قائلةً عند إعلان حل البرلمان: «لا سبيل آخر سوى سؤال المواطنين عما إذا كان يجب أن أستمر في منصب رئيسة الوزراء، وما إذا كانوا يؤيدون هذا التغيير في السياسة». هذه الانتخابات مرتقبة أن تعيد تعريف النموذج الاقتصادي لليابان ودورها في الأمن الآسيوي على مدى العقد المقبل.

قرار يسرع وتيرة الأحداث السياسية

مع أن ولاية مجلس النواب الحالي لم تكن لتنتهي قبل أكتوبر 2028، اختارت تاتشي تسريع الجدول الزمني والتوجه إلى صناديق الاقتراع الآن. تستغل رئيسة الوزراء بذلك فترة من التأييد لم يتمتع بها سوى عدد قليل من رؤساء الوزراء اليابانيين في السنوات الأخيرة. لن تستغرق الحملة الانتخابية سوى 16 يوماً، وهي المدة القانونية الدنيا، وتعد الأقصر منذ عام 1945. يشير هذا الإجراء إلى رغبة الحكومة في تقييد هامش رد فعل المعارضة التي لا تزال في طور إعادة ترتيب تحالفاتها.

يأتي هذا التقديم للانتخابات في سياق تآكل مؤسسي، حيث يواجه الحزب الليبرالي الديمقراطي فضيحة تمويل خطيرة، مما يلقي بظلاله على سمعة الحزب على الرغم من الصورة الشخصية الجيدة لتاتشي. من خلال تقصير الجدول الزمني، تسعى رئيسة الوزراء إلى تحويل سرديتها القائمة على “قيادة جديدة في مواجهة حزب قديم” إلى تفويض واضح لفرض أجندتها.

لكن هذه الخطوة لا تخلو من مخاطر كبيرة. فالحملة الانتخابية المكثفة بهذا الشكل قد تصب في صالح الحزب الذي يمتلك الجهاز التنظيمي والآلة المحلية، إلا أنها قد تضخم أي خطأ في التواصل أو هفوة مفاجئة في اللحظات الأخيرة. علاوة على ذلك، يسبق هذا الاستدعاء للانتخابات إقرار ميزانية عام 2026، مما يترك قرارات حاسمة معلقة بشأن الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العام والدفاع، وهي قضايا تثير قلق الشركات والأسواق على حد سواء.

باختصار، تحول تاتشي الجدول الزمني للانتخابات إلى أداة قوة: فإذا فازت بأغلبية واضحة، ستحظى بأربع سنوات كاملة لتنفيذ مشروعها. أما إذا جاءت النتائج متوسطة، فقد تعود اليابان إلى دوامة الحكومات الضعيفة والقصيرة الأجل.

أغلبية هشة وولاية متنازع عليها

تولت سانا تاتشي رئاسة الحكومة في أكتوبر 2025، بعد فوزها في السباق الداخلي للحزب الليبرالي الديمقراطي وانتخابها من قبل البرلمان كـرئيسة الوزراء رقم 104 للبلاد، لتكون أول امرأة تشغل هذا المنصب. ولضمان استمراريتها، شكلت ائتلافاً مع حزب الابتكار الياباني (نيبون إيشين) بعد انسحاب حزب كوميتو، الشريك التقليدي للحزب الليبرالي الديمقراطي. أسفر ذلك عن أغلبية ضئيلة، حيث يسيطر التحالف على حوالي 233 من أصل 465 مقعداً في مجلس النواب، وهو الحد الأدنى المطلوب للأغلبية المطلقة.

يفسر هذا التوازن الهش جزءاً كبيراً من قرار تقديم موعد الانتخابات. فمع إعادة تنظيم المعارضة، حيث اقترب حزب كوميتو من الحزب الديمقراطي الدستوري وتشكيلات وسطية أخرى، تخشى تاتشي أن تتحول الانتخابات اللاحقة، التي ستفتقر إلى “تأثير حداثتها”، إلى استفتاء ضد الحزب الليبرالي الديمقراطي. أما الآن، فهي ترغب في أن يُنظر إلى التصويت على أنه تأكيد لشخصيتها وأجندتها الإصلاحية.

الأخطر، من وجهة نظر الحكومة، هو أن الحسابات الحالية تجعل من شبه المستحيل معالجة التغييرات الهيكلية، مثل الإصلاح الدستوري أو إعادة تنظيم عميقة للنظام الضريبي، دون الاعتماد على شركاء ظرفيين في كل تصويت. النتيجة واضحة: إما أن تخرج تاتشي من انتخابات 8 فبراير بأغلبية معززة، أو أن قدرتها على المناورة ستكون مرهونة بالمفاوضات المستمرة مع الأحزاب التي لا تثق في توجهها القومي.

يُظهر التباين مع فترات الهيمنة المحافظة الأخرى في اليابان، مثل “تسونامي كويزومي” عام 2005 أو الأغلبيات المريحة لشينزو آبي، مدى ضعف الوضع الحالي. في تلك الفترات، كان الحزب الليبرالي الديمقراطي قادراً على فرض خارطة طريقه؛ أما اليوم، فحتى وهو في السلطة، يحكم تقريباً بأغلبية ضئيلة.

الإصلاح الدستوري في صلب المشهد السياسي

بعيداً عن الظرف الانتخابي الراهن، يتمثل المشروع السياسي الأكبر لتاتشي في إصلاح الدستور السلمي لعام 1947، وتحديداً المادة التاسعة الشهيرة التي تتخلى عن الحرب وتحد من دور قوات الدفاع الذاتي. رئيسة الوزراء، ذات التوجه المحافظ الواضح، تدافع منذ سنوات عن ضرورة أن يعترف الدستور صراحة بـ “جيش وطني” ويسمح بقدرات هجومية للرد على التهديدات في المنطقة.

لتغيير الدستور، تحتاج تاتشي إلى أغلبية الثلثين في كلا المجلسين، بالإضافة إلى تصديق لاحق عبر استفتاء شعبي. عملياً، يستلزم ذلك توسيعاً كبيراً لتمثيل الكتلة المؤيدة للإصلاح، أو على الأقل، كسر انضباط أحزاب المعارضة التي جعلت من الدفاع عن السلمية عنصراً أساسياً في هويتها. يُفهم تقديم موعد الانتخابات، جزئياً، على أنه سباق مع الزمن لاستغلال الموجة الحالية من القلق تجاه الصين وكوريا الشمالية وروسيا.

يكشف هذا التطور مدى مركزية سياسة الأمن في النقاش الياباني. فبعد عقود من تركز الجدل على وتيرة النمو أو الإصلاحات الهيكلية، يدور النقاش اليوم حول الصواريخ فرط الصوتية، والدفاع السيبراني، والتعاون العسكري مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

إذا حصلت تاتشي على تفويض واسع، ستحظى بالشرعية السياسية لدفع تغيير تاريخي يغير ميزان القوى في آسيا. أما إذا فشلت، فمن المرجح أن تغلق نافذة الفرصة للإصلاح الدستوري لسنوات، مع تكلفة كبيرة على سمعة رئيسة الوزراء نفسها.

الرهان الاقتصادي: تخفيضات ضريبية وإنفاق متزايد

على الصعيد الاقتصادي، تقترح تاتشي مزيجاً من التخفيضات الضريبية على الاستهلاك وزيادة الإنفاق العام، وهو ما أثار حماسة الأسر وقلق الأسواق. وتتمثل أبرز إجراءاتها في تعليق نسبة 8% من ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية لمدة عامين، وهو إجراء قد يكلف حوالي 5 تريليونات ين سنوياً (نحو 32 مليار يورو) في صورة إيرادات ضريبية أقل.

تدافع الحكومة عن هذا القرار باعتباره وسيلة لتخفيف تأثير التضخم، الذي أدى إلى تآكل الأجور الحقيقية بعد سنوات من استقرار الأسعار، ولتنشيط الاستهلاك المحلي الذي لا يزال ضعيفاً بعد الجائحة. ووفقاً لاستطلاعات الرأي التي نقلتها الصحافة اليابانية، يرى حوالي 45% من الناخبين أن ارتفاع تكاليف المعيشة هو شاغلهم السياسي الرئيسي، متجاوزاً بذلك بكثير قضايا الفساد أو الجغرافيا السياسية.

تضع تاتشي هذا التحول ضمن وصفتها الخاصة، التي أطلق عليها مستشاروها اسم “اقتصاد تاتشي” (Sanaenomics)، وهي نسخة مستمرة من “اقتصاد آبي” (Abenomics): سياسة نقدية توسعية، إنفاق مالي مرن، واستثمارات قوية في قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات، والدفاع، والتكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي. تهدف الفكرة إلى استخدام قوة الدولة لتعزيز الاستقلال الاقتصادي لليابان في مواجهة الصين، وفي الوقت نفسه، دعم الطلب المحلي.

لكن الانتقادات لاذعة وفورية: فاليابان تتحمل بالفعل ديناً عاماً يتجاوز 250% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى في العالم المتقدم. وقد يُنظر إلى التخفيض المؤقت للضرائب دون خطة موثوقة للضبط المالي على المدى المتوسط على أنه هروب إلى الأمام. التشخيص من قبل العديد من الاقتصاديين لا لبس فيه: الهامش المالي موجود بفضل أسعار الفائدة المنخفضة للغاية، لكنه ليس لا نهائياً.

الأسواق تترقب بحذر ديون اليابان

كان لإعلان الانتخابات المبكرة والتخفيض الضريبي الكبير تأثير سريع في النقطة الأكثر حساسية: سوق الديون. فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية إلى مستويات لم تشهدها منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، مما يعكس قلق المستثمرين من احتمال أن تجمع الحكومة القادمة بين زيادة الإنفاق، وتراجع الإيرادات، ومسار غير مؤكد لبنك اليابان بعد سنوات من السيطرة الصارمة على منحنى العائد.

تزيد بنية السوق نفسها من حساسية اليابان بشكل خاص. فمع كون البنك المركزي هو الحائز الأكبر للسندات، فإن أي تعديل في استراتيجيته، سواء كان رفعاً أكثر قوة لأسعار الفائدة أو تخفيفاً لسقف العوائد، ينتقل فوراً إلى تصور استدامة الدين. وإذا أضيف إلى ذلك أجندة سياسية تعطي الأولوية للتحفيز على الانضباط المالي، فإن هذا المزيج يصبح شديد الانفجار.

الأخطر بالنسبة لطوكيو هو أن هذا التوتر يأتي في وقت تشديد نقدي عالمي. وقد يؤدي الارتفاع المطول في عوائد السندات اليابانية إلى إطلاق تأثير الدومينو على الين، وتدفقات رأس المال الخارجة، وتكلفة تمويل القطاع الخاص نفسه.

بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة، فإن وجود اليابان الأكثر تقلباً في أسواق الديون ليس أمراً هامشياً. فالبلاد لا تزال واحدة من أكبر الدائنين الدوليين، وأي حاجة لإعادة رؤوس الأموال على نطاق واسع لتمويل داخلي سيكون لها تداعيات مباشرة على التدفقات العالمية وعلى الرغبة في ديون سيادية للدول الأخرى المثقلة بالديون.

الصين وتايوان والضغوط الجيوسياسية

لا يقل البعد الدولي لرهان تاتشي أهمية. فقد شددت رئيسة الوزراء لهجتها تجاه الصين، متماشية مع رؤية واشنطن بشأن تايوان، وملمحة إلى أن اليابان يجب أن تكون مستعدة للتدخل إذا تعرض أمنها لتهديد مباشر. هذه التصريحات رفعت درجة الحرارة الدبلوماسية: ردت بكين بفرض قيود على بعض صادرات الاستخدام المزدوج الموجهة إلى المجمع العسكري الياباني، وبحملة خطابية ضد “النزعة الانتقامية” اليابانية.

في الوقت نفسه، سرعت تاتشي التزامها برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2027، وتطرح الآن حتى تقديم هذا الهدف للرد على تدهور البيئة الاستراتيجية، التي تتسم بحرب أوكرانيا، والأزمة في الشرق الأوسط، وتجارب الصواريخ الكورية الشمالية. وهذا يعني مضاعفة الجهود الدفاعية تقريباً مقارنة بالمتوسط التاريخي لليابان، الذي ظل لعقود يدور حول 1%.

يكشف هذا التطور عن تحول صامت لكنه عميق: فالبلد الذي رمز على مدى نصف قرن إلى السلمية الدستورية، يرغب في أن يصبح فاعلاً عسكرياً من الدرجة الأولى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، تعد هذه أخباراً جيدة من حيث تقاسم الأعباء؛ أما بالنسبة للصين وكوريا الجنوبية، فهي مصدر قلق بسبب الجروح التاريخية التي لم تلتئم بعد.

ستكون الحملة الانتخابية، في هذا المجال، مقياساً لدرجة الدعم الاجتماعي لهذا التحول. فإذا نجحت المعارضة في تحويل انتخابات 8 فبراير إلى استفتاء حول السلمية الدستورية، فقد تدخل السياسة الخارجية اليابانية مرحلة من الاستقطاب غير المسبوق.

ما هو على المحك في 8 فبراير؟

لا يقتصر ما هو على المحك في 8 فبراير على استمرارية سانا تاتشي فحسب؛ بل يتحدد فيه مسار ثالث أكبر اقتصاد في العالم في لحظة فارقة. فنتيجة واضحة لصالح الحزب الليبرالي الديمقراطي وحلفائه ستمنح رئيسة الوزراء الهامش الضروري لتطبيق ثلاثيتها الإصلاحية: تخفيض ضريبي انتقائي، دفع الإنفاق الاستراتيجي، والإصلاح الدستوري. ومع أغلبية موسعة، تتجاوز مثلاً 260-270 مقعداً، ستتلاشى المقاومات الداخلية في الحزب وستقتصر المعارضة على دور رمزي.

في المقابل، فإن سيناريو الأغلبية الضئيلة أو البرلمان المجزأ سيفتح مرحلة من المفاوضات التي لا تنتهي، مع حكومات ائتلافية غير مستقرة وإصلاحات باهتة. سيكون التباين واضحاً مع فترات القيادة القوية الأخرى في اليابان، مثل أغلبيات كويزومي أو آبي. في هذه الحالة، من المرجح أن تضطر تاتشي إلى تأجيل الإصلاح الدستوري وتخفيف أجندتها المالية لتهدئة الأسواق.

بالنسبة لشركاء اليابان، من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، ستكون النتيجة حاسمة. سيتوقف عليها قدرة طوكيو على الاضطلاع بدور أكبر في الأمن الإقليمي، وقيادة المبادرات في سلاسل التوريد الحيوية، مثل الرقائق والبطاريات والمواد الخام، والحفاظ على توازن دقيق بين الانضباط المالي والتحفيز الاقتصادي.

التشخيص، حتى اليوم، لا لبس فيه: لقد قررت تاتشي تحويل رصيدها السياسي الأولي إلى رهان عالي المخاطر. إذا فازت، ستحصل على تفويض مطلق لإعادة تصميم العقد الاجتماعي والأمني للبلاد؛ وإذا خسرت، ستعود اليابان إلى سيناريو عدم الاستقرار المزمن. وفي كلتا الحالتين، سيبقى 8 فبراير محفوراً في الذاكرة كتاريخ قررت فيه أول امرأة تقود الحكومة اليابانية أن تسأل صناديق الاقتراع مباشرة عما إذا كانت البلاد مستعدة لمتابعتها.

مقالات ذات صلة