اقتصاد

الهند تدير ظهرها للنفط الروسي.. تحول استراتيجي بضغوط أمريكية

تحليل: كيف توازن نيودلهي بين ضغوط واشنطن وحاجتها الملحة للطاقة؟

في تحول استراتيجي لافت، بدأت الهند الابتعاد عن واردات النفط الروسي منخفض السعر، في خطوة يبدو أنها تأتي استجابة لضغوط أمريكية متزايدة. هذا القرار يضع نيودلهي أمام معادلة معقدة توازن فيها بين أمن الطاقة والمكاسب التجارية المحتملة مع واشنطن.

ضغوط واشنطن ومكاسب محتملة

تشير تقارير اقتصادية صادرة عن مؤسسة “نومورا هولدينغز” إلى أن التداعيات المباشرة لهذا التحول قد تكون محدودة، لكن المكاسب قد تعوضها. فمطالبات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب المتكررة للهند بوقف شراء النفط الروسي قد تمهد الطريق، بحسب اقتصاديين، لإبرام اتفاق تجاري طال انتظاره مع واشنطن، يتضمن تخفيفًا في الرسوم الجمركية الأمريكية.

يرى الخبيران الاقتصاديان سونال فارما وأورودييب ناندي أن أي خفض في معدل الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على الهند إلى ما دون متوسط دول آسيان (19-20%)، من شأنه أن يعيد التنافسية للصادرات الهندية كثيفة العمالة. ويتوقعان أن يتم إلغاء الرسوم العقابية البالغة 25% على مشتريات النفط الروسي بعد نوفمبر المقبل، مع استمرار الرسوم المتبادلة حتى نهاية السنة المالية في مارس.

تداعيات اقتصادية محسوبة

على الرغم من أن الخصم على النفط الروسي تضاءل مقارنة بالأسعار العالمية ليصبح بين 1.8 و2.2 دولار للبرميل، فإن الأثر المباشر للتخلي عنه لن يتجاوز 0.04% من الناتج المحلي الإجمالي الهندي. لكن التحذير الأهم، وفقًا لتقرير “نومورا”، يكمن في “الأثر غير المباشر عبر ارتفاع أسعار النفط العالمية“، والذي سيكون له الكلمة العليا في تحديد التكلفة الحقيقية لهذا القرار.

داخليًا، من المتوقع أن يظل تأثير القرار على التضخم تحت السيطرة، حيث يقع مؤشر أسعار المستهلك حاليًا عند أقل من 2%، وهو الحد الأدنى لنطاق هدف البنك المركزي. وتشير تقديرات بنك الاحتياطي الهندي إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في فاتورة النفط قد يرفع التضخم بنحو 30 نقطة أساس ويخفض النمو بنحو 15 نقطة أساس.

البحث عن بدائل في الشرق الأوسط وأمريكا

عمليًا، بدأت كبرى شركات التكرير الهندية في خفض واردات النفط الروسي إلى ما يقارب الصفر، خاصة بعد فرض واشنطن عقوبات أمريكية على عملاقي الطاقة “روسنفت” و”لوك أويل”. هذا التحرك يجبر الهند، التي استوردت نحو 1.8 مليون برميل يوميًا من روسيا هذا العام وفقًا لبيانات كبلر (ما يمثل 36% من إجمالي وارداتها)، على البحث عن مصادر بديلة لتلبية الطلب الهائل على الطاقة.

ستتجه الأنظار الآن إلى منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة لتعويض النقص، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الطاقة عالميًا. وفي هذا السياق، حذر غوراف كابور، كبير الاقتصاديين في “إندوس إند بنك”، من أن شراء النفط من الولايات المتحدة سيكون مكلفًا أيضًا بسبب ارتفاع تكاليف النقل، مؤكدًا أن التخلي الكامل عن الخام الروسي ليس سهلًا ويمس أمن الطاقة في الهند.

يأتي هذا التحرك في أعقاب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال فيها إن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أكد له أن بلاده ستتوقف عن شراء النفط من روسيا، لكنه أشار إلى أن التحول سيكون “تدريجيًا بعض الشيء”. وحتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجانب الهندي لتأكيد أو نفي هذه التصريحات، مما يترك الباب مفتوحًا أمام تطورات مستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *