الناتو في مهب الريح: هل ينهار التحالف الأطلسي تحت وطأة ترامب؟

تساؤلات حول مستقبل التحالف الأطلسي في ظل تصرفات ترامب وتزايد دعوات الاستقلال الأوروبي.

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

تُعد التحالفات العسكرية، شأنها شأن الزيجات، قائمة على الثقة المتبادلة. إلا أن الأزمة الأخيرة حول جرينلاند، والتي تم تجاوزها بصعوبة بالغة إثر تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتوصل إلى اتفاق أولي مبهم، قد أدت إلى نفاد صبر الشركاء الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وكذلك كندا. يرى البعض أن سلوك الرئيس الأمريكي لا يقتصر على كونه شريكًا غير مخلص، يغازل حتى المنافس الأكبر روسيا، بل يتجاوز ذلك إلى حد المعاملة المسيئة التي تتضمن التهديد والإهانة المستمرة لحلفائه.

يطرح تساؤل ملح حول إمكانية وقف عملية تفكيك حلف الناتو، الذي يُعد التحالف العسكري الأطول عمرًا والأكثر نجاحًا في التاريخ. هل يمكن كبح هذا التدهور، أم أنه ظاهرة حتمية تتجاوز فترة رئاسة ترامب؟ يميل المحللون بشكل متزايد نحو الخيار الثاني.

وفي هذا السياق، صرح البروفيسور سيباستيان روزاتو، من جامعة نوتردام بولاية إنديانا الأمريكية، والمؤلف المشارك لكتاب ‘كيف تفكر الدول: عقلانية السياسة الخارجية’، بأن ‘الناتو سينجو من الأزمة الفورية المتعلقة بجرينلاند، ولكن مع ذلك، لا أعتقد أنه سينجو من ولاية ترامب الرئاسية’.

يتابع روزاتو موضحًا أن ‘إدارة ترامب أعلنت مرارًا وتكرارًا أنها لا تكن لأوروبا سوى الازدراء’. ويرى أن الأوروبيين سعوا حتى الآن للتعامل مع ترامب، لكن صبرهم بدأ ينفد. ووفقًا للبروفيسور الأمريكي، فإن توصل ترامب إلى اتفاق مع روسيا بشأن أوكرانيا على حساب أوروبا، ‘سيكون سببًا إضافيًا للتباعد’. ويختتم روزاتو حديثه بالقول: ‘أعتقد أن أيام الناتو باتت معدودة لأن الأوروبيين سيقولون أخيرًا كفى، وفي الواقع، يدهشني أنهم لم يفعلوا ذلك بعد. هذا لا يعني أن معاهدة حلف شمال الأطلسي ستختفي أو أن المنظمة التي تحمل اسم الناتو ستتوقف عن الوجود، لكنها ستصبح مجرد ظل لما كانت عليه ولن يكون لها وظيفة حقيقية’.

البروفيسور سيباستيان روزاتو يتوقع: “الناتو سيكون مجرد ظل لما كان عليه، بلا وظيفة حقيقية”

حتى مجلة ‘الإيكونوميست’ البريطانية، المعروفة بدعمها للتحالف الأطلسي والنظام الليبرالي الغربي، ترى أن تراجع ترامب بشأن جرينلاند ‘قد لا يكون سوى انسحاب تكتيكي’. وأكدت المجلة في عددها الأخير أن ‘على القادة الأوروبيين بذل الجهود لوقف تدهور التحالف عبر الأطلسي، ولكن عليهم أيضًا الاستعداد ليوم قد يتوقف فيه حلف الناتو عن الوجود’.

في فرنسا، التي تجسد منذ عهد ديغول أقوى إرادة للاستقلال الذاتي عن الولايات المتحدة في كافة المجالات، تبدو الآراء حاسمة. فقد ذكرت صحيفة ‘لو فيغارو’ أن ‘بعد تراجع ترامب، يحتفظ السبعة والعشرون بمسدساتهم تحت الطاولة’. ويشرح برتراند بادي، الأستاذ الفخري في معهد العلوم السياسية ومؤلف عشرات الكتب في السياسة الدولية، آخرها ‘ما وراء القوة والحرب: الطاقة الاجتماعية الغامضة’، أن ‘الناتو ميت بالفعل منذ فترة، منذ أن اعتبرت الولايات المتحدة أن التحالف يكلفها أكثر مما يعود عليها بالنفع’. ويرى بادي أن ‘ترامب لم يفعل سوى إظهار قناعة راسخة بالفعل؛ وبالنسبة للقاء ترامب-روته (الاتفاق الأولي بشأن جرينلاند مع الأمين العام للناتو)، فهو مجرد حلقة سيتجاوزها حدث آخر’.

جيريمي غالون، الدبلوماسي السابق في الاتحاد الأوروبي والمدير الأوروبي لشركة ‘ماكلارتي أسوشيتس’ للاستشارات الجيوسياسية، لا يبدو متفائلاً بدوره. يعيش غالون، مؤلف سيرتين ذاتيتين لهنري كيسنجر وجورج بومبيدو، بين بروكسل وواشنطن، وهو مقتنع بأن ‘ترامب يعكس اتجاهات هيكلية في الولايات المتحدة تتجه نحو الانكفاء على الذات’. ويحذر غالون من أن ‘أكبر خطأ لأوروبا سيكون العيش في حالة إنكار والاعتقاد بأن كل شيء سيعود كما كان بعد ترامب؛ سيكون ذلك خطأ فادحًا’. ويشدد على الضرورة الملحة لأوروبا، التي ‘ستكون ضعيفة جدًا في السنوات القادمة’، لبناء استقلال استراتيجي حقيقي. ويضيف: ‘اتفاق جرينلاند هو هدنة، لكن سيكون هناك تهديد آخر. إنها مسألة أيام أو أسابيع’.

جيريمي غالون، المستشار الجيوسياسي: “خطأ فادح أن نعتقد أن الأمور ستعود كما كانت بعد ترامب”

في منتدى دافوس الأسبوع الماضي، حيث وصل ترامب بطائرة هليكوبتر، بأسلوب إمبراطوري، ليطلق على الفور خطابه اللاذع حول أوروبا، أعربت النائبة السابقة عن ولاية كاليفورنيا، جين هارمان، عن أسفها لأن الرئيس الأمريكي ‘يستحوذ على الاهتمام الإعلامي، أربع وعشرين ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع’، مما يغيب أصواتًا أخرى في بلاده. ووفقًا لهارمان، التي شاركت في ندوة باليوم الختامي للمنتدى، فإن إحدى مآسي الولايات المتحدة هي أن ‘تخلينا عن إحدى المزايا الهائلة التي كنا نمتلكها، ليس فقط النظام العالمي الليبرالي، بل قوتنا الناعمة (التأثير الثقافي والأيديولوجي)، التي تعد مضاعفًا للقوة، وجزء من ذلك هو العلاقة مع الشركاء والحلفاء’. وأشارت هارمان إلى أن النزاع حول جرينلاند ‘صرف الانتباه عن المهمة الرئيسية، وهي مواجهة بوتين في أوكرانيا’.

يشهد حلف الناتو زلزالًا عنيفًا لدرجة أن بعض المعلقين الفرنسيين، وخاصة العسكريين، يقترحون أنه في حال تفاقم الوضع، قد تحذو دول أخرى حذو ديغول عام 1966 –عندما قرر الانسحاب من القيادة المتكاملة للناتو– وتجبر الأمريكيين على مغادرة القواعد التي يمتلكونها حاليًا في أوروبا. سيكون هذا بمثابة قنبلة دبلوماسية ذرية، يصعب تصورها. لكنه يذكر بأن واشنطن، على الرغم من تفوقها الساحق، تعتمد أيضًا على الأوروبيين. فبدون قواعد مثل رامشتاين في ألمانيا، وأفيانو في إيطاليا، وروتا في إسبانيا، ستتضاءل قدرتها على نشر القوات نحو الشرق الأوسط بشكل كبير. في هذا الصراع مع واشنطن، لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يستخدم الضغط التجاري (التعريفات الجمركية أو بيع الديون الأمريكية) فحسب، بل يمكنه أيضًا استخدام الضغط العسكري.

يُعد الكاتب مراسلًا في باريس منذ عام 2018، وقد شغل سابقًا منصب مراسل في ألمانيا (1994-2002)، وفي الولايات المتحدة (2002-2009)، وفي إيطاليا والفاتيكان (2009-2018).

Exit mobile version