المنشاوي.. الصوت الذي أجبر الإذاعة المصرية على مغادرة استوديوهاتها
خفايا مدرسة المنشاوي في التلاوة ومواقفه مع السلطة والإذاعة

تحل ذكرى رحيل الشيخ محمد صديق المنشاوي في العشرين من يونيو، تاركاً إرثاً صوتياً لم يتوقف عند حدود التلاوة التقليدية، بل أسس مدرسة اعتمدت على توظيف المقامات الموسيقية الفطرية لخدمة النص القرآني، وهو ما جعل صوته يوصف بـ “الباكي” لقدرته الفائقة على تجسيد معاني الحزن والخشوع عبر “مقام الصبا” الذي تخصص في أدائه ببراعة تقنية نادرة.
الإذاعة المصرية اضطرت عام 1953 إلى كسر بروتوكولاتها المعهودة، حيث انتقلت بمعداتها ومهندسيها إلى موقع قراءة الشيخ في صعيد مصر لتسجيل صوته واعتماده، بعدما رفض المنشاوي بشكل قاطع التوجه إلى القاهرة لإجراء اختبارات القبول الرسمية، معتبراً أن موهبته لا تحتاج لتقييم روتيني، وهو ما يعد سابقة تاريخية في سجلات الإذاعة.
وُلد المنشاوي في سوهاج عام 1920، ونشأ في بيئة قرآنية خالصة بدأت بوالده الشيخ صديق المنشاوي، ليتجاوز حدود المحلية ويصبح “مقرئ الجمهورية العربية المتحدة” في الخمسينيات، محققاً انتشاراً في دول مثل سوريا والعراق وليبيا، ومسجلاً بصمة صوتية في المسجد الأقصى.
مواقف المنشاوي لم تخلُ من الصدام مع السلطة السياسية من باب الاعتزاز بكرامة حامل القرآن، حيث يُذكر عنه رفضه دعوة رسمية للقراءة في حضرة الرئيس جمال عبد الناصر، قائلاً للرسول الذي حمله الطلب: “لماذا لا يتشرف الرئيس بالاستماع إلى القرآن؟”، رافضاً مبدأ الوقوف في طابور العرض الرئاسي، وهو موقف يعكس ملمحاً من شخصيته الزاهدة في التقرب من دوائر الحكم داخل تاريخ مصر المعاصر.
أصيب الشيخ بمرض دوالي المريء في عام 1966، ورغم وطأة الألم ونصح الأطباء له بالراحة، إلا أنه استمر في التلاوة بصوت جهوري حتى أيامه الأخيرة، قبل أن يرحل في سن التاسعة والأربعين عام 1969، تاركاً وراءه المصحف المرتل كاملاً بنبرته التي لم تنجح محاولات التقليد في استنساخ روحها حتى اليوم.
اعتمدت فلسفة المنشاوي في التلاوة على الانفعال اللحظي بالآية، فلم يكن يخطط للأداء النغمي مسبقاً، وهو ما يفسر التفاوت في تسجيلاته بين المحافل العامة والتسجيلات الاستوديو، حيث تظهر في المحافل قدرة عجيبة على التنقل بين الطبقات الصوتية دون إخلال بأحكام التجويد الصارمة التي تلقاها في صغره.











