اقتصاد

المفاوضات التجارية الأمريكية الصينية: تهدئة مؤقتة قبل قمة حاسمة

اتفاقات أولية بين واشنطن وبكين تسبق لقاء ترمب وشي: هل تستمر الهدنة؟

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

شهدت العلاقات الاقتصادية بين أكبر قوتين عالميتين، الولايات المتحدة والصين، انفراجة ملحوظة مؤخرًا، مع إعلان مفاوضين تجاريين عن سلسلة اتفاقات أولية. تأتي هذه التطورات قبيل لقاء مرتقب وحاسم بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذه التهدئة في ظل التوترات المستمرة.

عقب يومين من المحادثات المكثفة في ماليزيا، أعلن الجانبان الأمريكي والصيني، يوم الأحد، التوصل إلى تفاهمات تشمل الرسوم الجمركية، رسوم الشحن، قضية الفنتانيل، والقيود على الصادرات. يمثل هذا الاتفاق خطوة مهمة نحو تخفيف حدة التوتر، الذي تصاعد مؤخرًا بتبادل التهديدات بفرض رسوم جديدة وقيود إضافية على الصادرات، ما هدد بتقويض العلاقة الثنائية برمتها.

تفاؤل صيني حذر وتأثير على الأسواق

في تعليق يعكس نبرة تصالحية، أشارت صحيفة الشعب اليومية، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، يوم الاثنين، إلى أن هذا التقدم يبرهن على قدرة بكين وواشنطن على إدارة خلافاتهما المعقدة. دعت الصحيفة إلى «حماية الإنجازات التي تحققت بشق الأنفس» خلال المفاوضات التجارية الأمريكية الصينية الأخيرة، مؤكدة على أهمية الاستقرار.

المقال، الذي وقعه باسم مستعار «تشونغ شينغ» ويعني «صوت الصين»، يُستخدم عادة لعرض مواقف بكين الرسمية في السياسة الخارجية. جاء فيه أن «لم يُفاجأ أي من الجانبين بهذه القضايا، بل ركّزا على إيجاد حلول لها»، ما يشير إلى ثقة رسمية بقدرة الجانبين على حل النزاعات عبر الحوار.

انعكست هذه التطورات الإيجابية على الأسواق المالية، حيث ارتفع مؤشر «هانغ سينغ تشاينا إنتربرايزيس إندكس» بنسبة 1.3% يوم الاثنين، وصعد المؤشر الأوسع «إم إس سي آي» لآسيا والمحيط الهادئ بنسبة 1.5% مسجلاً رقماً قياسياً خلال الجلسة. كما صعدت عوائد السندات الحكومية الصينية لأجل 10 سنوات، مع تراجع الإقبال على الأصول الآمنة عقب نتائج المحادثات المشجعة، ما يعكس تفاؤلاً حذرًا لدى المستثمرين.

قمة شي-ترمب: محطة حاسمة لتأكيد الاتفاق

من المتوقع أن يوافق الرئيسان شي جين بينغ ودونالد ترمب على بنود الاتفاق هذا الأسبوع في كوريا الجنوبية، خلال أول لقاء مباشر بينهما منذ عودة الرئيس الأميركي إلى السلطة. يمثل هذا اللقاء فرصة حاسمة لتثبيت التفاهمات الأولية وتحويلها إلى اتفاقات رسمية، في ظل ترقب عالمي لنتائج هذه القمة.

قد يكشف الاجتماع تفاصيل تتعلق بمشتريات الصين من فول الصويا الأميركي، وخطط واشنطن لفرض رسوم شحن على السفن الصينية، إضافةً إلى قيود بكين على صادرات المعادن الأرضية النادرة. هذه القضايا تمثل نقاط خلاف جوهرية في الحرب التجارية بين البلدين، وتتطلب حلولًا مستدامة لضمان استقرار الاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، كتب كلٌّ من تشانغ شو وديفيد كو وجينيفر ويلش من «بلومبرغ إيكونوميكس» في مذكرة بحثية: «نتوقع أن يقرّ القادة الاتفاق، لكن من غير الواضح ما إذا كان سيحقق ارتياحاً مستداماً للأسواق، فالعلاقات بين واشنطن وبكين تبدو قائمة على توترات متكررة وحلول قصيرة الأجل». هذا التحليل يلقي الضوء على الطبيعة الهشة للهدنات في ظل التنافس الاستراتيجي الأوسع.

أضاف الخبراء أن تراجع عوامل عدم اليقين الخارجية من شأنه أن يمنح صانعي السياسات في بكين مزيداً من الوقت للتركيز على دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. هذا يشير إلى أن الصين تستغل أي فترة هدوء لتعزيز قدراتها الداخلية وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو هدف استراتيجي طويل الأمد.

تحديات داخلية وضغوط خارجية

رغم أن الشركات الصناعية الصينية حققت في الشهر الماضي أكبر زيادة في أرباحها منذ ما يقرب من عامين، فإن سوق العمل لا تزال تمر بظروف صعبة، فيما زالت أزمة الإسكان الممتدة منذ سنوات تلقي بظلالها على النمو. هذه التحديات الداخلية تزيد من أهمية استقرار العلاقات التجارية الخارجية لبكين.

دعا المقال الصيني الولايات المتحدة إلى الالتزام بآلية المشاورات التجارية والاقتصادية التي يشرف عليها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ. وأشار إلى أن القيود على الصادرات التي أعلنتها جهات أميركية خارج إطار تلك الآلية، تسبّبت خلال الأشهر الأخيرة في تعطيل المنظومة مرات عدة، ما دفع بكين إلى عرقلة سلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة الحيوية للتصنيع الأميركي، في تصعيد متبادل.

من جانبه، أعرب بيسنت عن اعتقاده بأن الصين ستُرجئ قيودها الأخيرة على صادرات المعادن الأرضية النادرة «لمدة عام ريثما تعيد تقييمها» عقب جولة المحادثات الأخيرة. هذا التصريح يعكس محاولة أمريكية لتخفيف التوترات المتعلقة بالموارد الاستراتيجية، التي تعد ورقة ضغط قوية بيد بكين.

أثارت القيود الصينية المقترحة على المعادن الأرضية النادرة، والتي تمنحها سلطة التحكم في أي شحنة تُتداول عالمياً إذا احتوت على مجرد آثار من بعض هذه المعادن القادمة من الصين، اعتراضات واسعة في أوروبا. هذا يبرز البعد العالمي للتوترات التجارية بين واشنطن وبكين، وتأثيرها على سلاسل التوريد العالمية.

الفنتانيل والرسوم الجمركية: نقاط خلاف رئيسية

من المجالات التي قد تشهد انفراجة سريعة، الرسوم الأميركية البالغة 20% على الفنتانيل، المفروضة للضغط على بكين لوقف تدفق المواد الأولية المستخدمة في تصنيع المخدر القاتل. هذه القضية تجمع بين البعد التجاري والأمني، وتعد أولوية لواشنطن في مكافحة أزمة المخدرات.

قد يُشكّل تخفيف تلك الرسوم، المضافة إلى تعريفات «يوم التحرير»، دفعةً كبيرة للصين في وقت يشهد فيه الطلب المحلي ضعفاً ملحوظاً. فالتخفيف من الأعباء الجمركية يمكن أن يوفر متنفسًا للاقتصاد الصيني الذي يواجه تحديات داخلية.

عقدت الصين والولايات المتحدة خمس جولات من المحادثات منذ كشف ترمب في أبريل عن أعلى رسوم أميركية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ما جعل الصادرات الصينية لأميركا خاضعة لتعريفة بـ55%. هذه الأرقام تعكس حجم التصعيد غير المسبوق في الحرب التجارية.

مستقبل العلاقات: توتر دائم أم حلول مستدامة؟

رأت صحيفة «الشعب» اليومية أن تلك المحادثات تُعدّ دليلاً على أن أياً من الجانبين لا يسعى إلى فك الارتباط الاقتصادي الكامل. ودعت الصحيفة إلى أن «على الجانبين أن يلتقيا في منتصف الطريق، ويُثمّنا مخرجات كل حوار، ويعملا باستمرار على تعزيز الثقة المتبادلة وإدارة الخلافات»، ما يعكس رغبة بكين في إطار مستقر للعلاقات.

على الرغم من النبرة التي تميل إلى التهدئة لدى الجانبين في الآونة الأخيرة، بدأ المستثمرون العالميون يتعايشون مع «الوضع الطبيعي الجديد» الذي يتسم بدوامة من «التوتر ثم التصعيد فالتهدئة»، وفقاً لما كتبه تيانغ لو، كبير اقتصاديي الصين لدى «نومورا هولدينغز». هذا التوصيف يلخص حالة عدم اليقين التي تخيم على العلاقات التجارية الأمريكية الصينية.

أضاف لو: «من الإيجابي أن يسعى أكبر اقتصادين في العالم إلى تهدئة التوترات، لكننا نرجّح أن يتجه التنافس بين القوتين العظميين إلى مزيد من التصعيد في المستقبل». هذا التحليل يؤكد أن التنافس الاستراتيجي العميق بين البلدين سيظل المحرك الأساسي للعلاقات، وأن أي تهدئة قد تكون مؤقتة في سياق صراع طويل الأمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *