المتحف المصري الكبير: أيقونة حضارية بتوقيع دولي
كيف تحول المتحف المصري الكبير إلى نموذج للشراكة الدولية في الحفاظ على التراث الإنساني؟

على مرمى حجر من أهرامات الجيزة، ينهض صرح ثقافي عالمي يروي قصة تعاون دولي فريد. المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى يضم كنوز الماضي، بل هو تجسيد لشراكة استراتيجية أعادت تعريف مفهوم الحفاظ على التراث الإنساني، ليصبح أحد أبرز المشروعات الثقافية في القرن الحادي والعشرين.
لم يكن هذا المشروع الضخم مجرد قرار وطني، بل نتاج رؤية متكاملة أدركت أن الإرث المصري هو ملك للبشرية جمعاء، وأن الحفاظ عليه يتطلب تضافر الجهود الدولية. وهكذا، تحولت فكرة المتحف إلى منصة للتعاون بين مصر وشركاء من مختلف القارات، حيث امتزجت الخبرات والموارد لتحقيق حلم طال انتظاره.
شراكة استراتيجية.. بصمات يابانية واضحة
يبرز الدور الياباني كأحد أهم أعمدة نجاح مشروع المتحف المصري الكبير. لم يقتصر الدعم على قرض ميسر لتمويل الإنشاءات والبنية التحتية، بل امتد ليشمل جوهر العمل المتحفي. قدمت اليابان، عبر وكالة التعاون الدولي «JICA»، خبرات تقنية متقدمة ومعدات حديثة لمعامل ترميم الآثار، وهو ما وصفته وكالة «كيودو» اليابانية بأنه «نموذج لدمج التكنولوجيا اليابانية مع الإرث المصري».
هذا التعاون التقني لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لشراكة بدأت منذ عام 2006، وتجلت بوضوح في مشروع ترميم واستخراج الأجزاء الخشبية لمركب خوفو الثاني، حيث تم استخراج نحو 1700 قطعة خشبية من 13 طبقة، في عملية بالغة الدقة والتعقيد. كما شمل الدعم الياباني توفير برامج تدريب متخصصة للكوادر المصرية، ومشروع مشترك مع الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا لتبادل الخبرات.
من التحرير إلى الهرم.. رحلة آمنة للكنوز
كان الدعم التقني الياباني حاسمًا في واحدة من أدق مراحل المشروع، وهي نقل القطع الأثرية. تم نقل حوالي 72 قطعة أثرية، من بينها مقتنيات ثمينة للملك توت عنخ آمون، من المتحف المصري بالتحرير إلى مركز الترميم بالمتحف الكبير. وقد تمت هذه العملية باستخدام أجهزة يابانية متطورة، مثل المجهر الرقمي وأجهزة الأشعة المحمولة، بالإضافة إلى رافعات كهربائية مصممة لضمان سلامة القطع الثقيلة.
مظلة أممية.. معايير اليونسكو والبنك الدولي
لم يغب البعد العالمي عن المشروع، حيث وفرت منظمة اليونسكو الغطاء المعرفي والأكاديمي، مشيدة بالمتحف كمشروع عالمي يطبق أفضل الممارسات الدولية في حفظ التراث. لم تكن مشاركة اليونسكو شرفية، بل لعبت دورًا استشاريًا في حماية المنظر الطبيعي المحيط بمنطقة الأهرامات، لضمان عدم تأثير المشروعات الجديدة على القيمة الاستثنائية للموقع المدرج ضمن التراث العالمي.
على الصعيد الاقتصادي والبيئي، قدم البنك الدولي دعمًا ماليًا وفنيًا، تُوّج بحصول المتحف المصري الكبير على شهادة «EDGE Advanced» للمباني الخضراء، ليصبح أول متحف في إفريقيا والشرق الأوسط يحقق هذا الإنجاز. وهو ما اعتبرته الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي، انعكاسًا لشراكة قوية لتعزيز التنمية المستدامة والابتكار.
خبرات عالمية لإنجاز مصري
اكتملت منظومة التعاون الدولي بمشاركة خبراء ومهندسين من أوروبا وأمريكا، الذين ساهموا في عمليات التصميم والبناء. هذا المزيج بين الخبرات العالمية والإدارة المصرية ضمن للمشروع الجمع بين الأصالة والتكنولوجيا المتقدمة، لضمان سلامة المعروضات وتقديم تجربة زيارة فريدة، وهو ما يمهد الطريق، بحسب منظمة السياحة العالمية، لجعل المتحف ركيزة أساسية لتعزيز السياحة الثقافية في مصر.
في المحصلة، يتجاوز المتحف المصري الكبير كونه مجرد صرح معماري، ليصبح قصة نجاح تروي كيف يمكن للتعاون الدولي أن يحقق إنجازات حضارية تخدم البشرية. فبتضافر جهود مصر مع اليابان واليونسكو والبنك الدولي وخبراء العالم، لم يتم بناء متحف لعرض الآثار فحسب، بل تم تأسيس منظومة متكاملة لحفظها وتكريمها، وتقديمها كجسر يربط بين ماضٍ عريق ومستقبل واعد.









