سيارات

الفورمولا 1: عندما لا يكون الفوز بالسباق هو الهدف الوحيد

اكتشف الجانب الخفي لسباقات الفورمولا 1 حيث تتصارع الأرقام المالية مع شغف السرعة.

في عالم الفورمولا 1، تتجلى الحقيقة على شاشتين؛ واحدة أمامية براقة، تزدان بالألوان وتخطف الأبصار، هي روح المنافسة والسرعة التي نعشقها. لكن خلف الكواليس، وعلى شاشة أخرى، تتوارى قواعد اللعبة الحقيقية: قوانين المال والأعمال التي تحرك كل عجلة، وتتحكم في كل قرار.

لطالما كان السير فرانك ويليامز، أسطورة الفورمولا 1، نموذجًا للفروسية في عالم السرعة. رجلٌ انتصر دون غطرسة، ووضع روح الرياضة فوق مصالح الأعمال، لكنه لم يغفل أبدًا عن الثقل المالي الذي يرافق كل خطوة لفريقه. كلماته الخالدة تلخص الواقع: “الفورمولا 1 رياضة أيام الأحد، لكنها عمل تجاري بحت في بقية أيام الأسبوع”.

السير فرانك، بصيرته الثاقبة، كشف عن حقيقة غائبة عن الكثيرين من عشاق السرعة؛ فهم غالبًا ما يرون الواجهة البراقة للعبة، غافلين عن الشاشة الخلفية التي تعرض الأرقام والمعادلات. ففي سنة غير كبيسة، هناك 365 يومًا، منها 24 يومًا فقط تُقام فيها سباقات الفورمولا 1. أما الـ 341 يومًا المتبقية، فهي ساحة معركة أخرى، حيث تسود قوانين الأعمال الصارمة.

مديرو الفرق يواجهون تحديات لا تقل تعقيدًا عن أي شركة عالمية؛ من تحقيق الأرباح أو مواجهة الخسائر، إلى إرضاء المساهمين المتطلبين، ودفع رواتب الموّظفين، وصيانة منشآت بمليارات الدولارات، واستثمار هائل في تقنيات تتلاشى قيمتها بسرعة. يضاف إلى ذلك، التعامل مع حوادث المسار وخارجه. لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذه الصناعة؛ فهي لا تكتفي بتكنولوجيا الفضاء، بل يغامر سائقوها بحياتهم كل نهاية أسبوع، وكل تفصيل فيها تحت مجهر ملايين العيون على مدار الساعة.

الفورمولا 1، في جوهرها، رياضة محاطة بإمبراطورية أعمال ضخمة. وأحد أبرز الأمثلة على هذه الديناميكية يظهر جليًا عند التفكير في تطوير السيارات. مهندسو وفنيو هذه الفئة هم من النخبة العالمية، وغالبًا ما يدركون تمامًا مكامن الخلل في تصميماتهم ويقدمون حلولًا مبتكرة. لكن المفاجأة تكمن في أن هذه التحسينات، رغم جدواها الفنية، لا تُطبق دائمًا. نعم، لقد قرأت صحيحًا: أحيانًا يفضلون عدم زيادة السرعة!

negocio no ganar 2026112024 1768378000 2
أحيانًا لا يعني الكثير من التطوير تحسينًا في الأداء، لكنه دائمًا ما ينطوي على نفقات اقتصادية ضخمة.

في الثامن عشر من ديسمبر عام 2015، أعلنت رينو عن استعادة ملكية فريقها من شركة Genii Capital. رحلة الفريق في الفئة، قبل أن يتحول اسمه إلى ألبين، امتدت لخمسة مواسم. حصيلة تلك الفترة كانت صفر ألقاب، صفر انتصارات، ومنصتي تتويج يتيمتين بفضل تألق دانيال ريكاردو.

بعد سنوات، وفي أعقاب هروبه المثير من اليابان، صرّح رئيس الشركة آنذاك، كارلوس غصن، بموقفه الصريح: لم يكن يرى في الفورمولا 1 سوى نفقات غير ضرورية، فهي لا تجلب العملاء مباشرة إلى صالات العرض. ورغم إصرار فريقه التسويقي على أهمية التواجد، إلا أنه خصص الحد الأدنى من الموارد، رافضًا مضاعفة الإنفاق لتحقيق الانتصارات، مؤكدًا أن الهدف ليس تبديد الأموال.

هذا الموقف أحبط بشدة مديري فريق رينو، والأهم من ذلك، عميلهم الأبرز: ريد بول. بعد هيمنة مرسيدس، أدركت ريد بول أن محركاتهم القادمة من فيري-شاتيون هي نقطة ضعفهم. توجه كريستيان هورنر، وهيلموت ماركو، وأدريان نيوي مباشرة إلى مكتب غصن، مطالبين باستثمارات أكبر لتحسين المحركات. لكن “البرازيلي” أغلق الباب في وجوههم، وهو ما رسم ابتسامة عريضة على وجه توتو وولف. بالنسبة لرينو، كان مجرد ظهور الاسم كافيًا، ورأوا أن الإنفاق على تحقيق الانتصارات هو مجرد تبذير لا داعي له.

في سيناريو متكرر، وإن كان يبدو افتراضيًا، يجتمع مجلس إدارة كل فريق ليقرر مصيره. على الطاولة، عادة ما توجد ملفات تحوي عشرات الحلول المقترحة لتحسين الأداء. يتوجب على الحاضرين اتخاذ قرار بشأن تطبيق كل نقطة من هذه المقترحات، التي قد تشمل تعديلات على الشاسيه، نوابض جديدة، تحسينات ديناميكية هوائية، أنظمة تحكم متطورة، مستشعرات مصممة بتقنيات فضائية، أو حتى إعادة تصميم الجناح الأمامي، وكلها قادرة على اقتناص أجزاء ثمينة من الثانية.

بجانب كل مقترح، توضع مجموعة من المعايير لتقييم جدواه. لكن ثلاثة عوامل تظل ثابتة: مقدار التحسين الزمني المتوقع، فترة التنفيذ، والأهم من ذلك كله: تكلفة التطوير. بعبارة أخرى، يجري المسؤولون حسابات دقيقة لمعرفة كم يكلف كل جزء من الثانية يمكن اقتناصه على المسار.

تعديلات الشاسيه، على سبيل المثال، باهظة التكلفة، بينما إعادة تصميم صواميل العجلات قد تكون أقل كلفة. بعض أجزاء الثانية تتطلب ثروة، وأخرى يمكن تحقيقها بإنفاق أقل نسبيًا. يجلس كبار المديرين، ومعهم آلاتهم الحاسبة، ليقرروا مصير هذه التحسينات. بعدها، يخرج أحدهم مسرعًا، مرتديًا ألوان الفريق، ليجتمع بمسؤولي الأقسام ويحثهم على التسريع أو إيجاد حلول أقل تكلفة لتحقيق الأهداف. هكذا تُدار اللعبة.

الجانب المشرق في هذا النظام هو أنه إذا أثبتت مقترحات قسم معين جدواها، فإن الموافقة على تمويل المزيد من التطورات في الاجتماعات اللاحقة تصبح أسهل بكثير. فالنتائج الإيجابية على الحلبات تخلق حلقة من الثقة تدعم الاستثمار المستقبلي.

لنأخذ مثال ألبين في عام 2024؛ فريق اتسم بالنهج التطوري لا الثوري. بدأوا ذلك الموسم بمشكلة وزن مفرطة في سيارتهم. وكأنهم منحوها “جرعة أوزيمبيك” من التخفيف، حيث عملوا على إزالة الوزن الزائد من مناطق يسهل الوصول إليها تقنيًا، مما سمح بتخفيف القطع بسهولة وبتكاليف معقولة. كانت عملية فعالة ومحدودة التكلفة.

على النقيض تمامًا، نجد مرسيدس في عام 2022؛ فريق راهن على الثورة لا التطور. قبل أسابيع من الكشف عنها، انتشرت شائعات عن سيارة شبه خالية من الألواح الجانبية، قادرة على كسب ثانية كاملة في اللفة مقارنة بالمفاهيم السائدة. عمّ الذعر بين الفرق، لكنه تبدد فورًا عندما خضعت تلك السيارة الرمادية اللامعة للاختبارات. فبعد بضع لفات، اتضح أنها تحمل مفهومًا فاشلًا للغاية.

تراجع فريق النجمة من تسعة انتصارات في عام 2021 إلى فوز وحيد خلال عامين، وهي الفترة التي طبقوا فيها هذا المفهوم. كان تغيير التصميم يعني إعادة بناء السيارة بالكامل تقريبًا، وهو ما يستنزف موارد هائلة من المال والجهد والكوادر. لهذا، ترددوا طويلًا في اتخاذ القرار. لكن أمام النقص الهائل في السرعة، لم يجدوا بدًا من الاستسلام ودفع الثمن الباهظ لتحقيق الكفاءة. وما زالوا يدفعون فاتورة ذلك القرار حتى اليوم.

في عام واحد، تراجع فريق ألبين من المركز السادس إلى ذيل الترتيب في موسم 2025. بينما حقق ساوبر، الذي أنهى الموسم تاسعًا، ما يقرب من أربعة أضعاف نقاط ألبين. أظهر فريق إنستون نفسه كأقل الفرق كفاءة على الإطلاق، مع وداع مؤلم لمحركهم، ليتحولوا إلى عميل لمحركات مرسيدس في عام 2026.

ومع ذلك، حققوا أرباحًا لم يسبق لها مثيل.

في يونيو 2023، أقدم الممثل الشهير رايان رينولدز، عبر شركته Maximum Effort Investments، على خطوة استثمارية جريئة بشراء حصة أقلية في فريق ألبين للفورمولا 1. بالتعاون مع مستثمرين آخرين، ضخ 200 مليون يورو للاستحواذ على 24% من أسهم الفريق. حينها، كانت قيمة الفريق تقدر بحوالي 900 مليون يورو، لكن بعد عامين فقط، قفزت هذه القيمة لتصل إلى 2.4 مليار يورو وفقًا لتقديرات فوربس. رينولدز، الذي لم يحصد الأوسكار بعد، نال بلا شك لقب “مستثمر العام”؛ فقد ضاعف رأسماله ثلاثة أضعاف في غضون عامين فقط.

negocio no ganar 2026112024 1768378299 3
في الفورمولا 1، هناك العديد من الأمثلة التي تثبت أن الفوز بالسباقات ليس ضروريًا لكسب المال.

هذا هو الدليل الساطع على أن الخسارة في السباقات قد تعني الفوز في عالم الأعمال. فلو قرر رينولدز بيع حصته الآن، لربح حوالي 600 مليون يورو، في واحدة من أذكى استثماراته. أما في عهد غصن ورينو، فكانت حسابات التسويق تضع قيمة التواجد في الفورمولا 1 كجزء من التكلفة التسويقية لكل سيارة مباعة، مستفيدين من الانتشار والإعلان دون الحاجة للفوز بالسباقات. كثيرون ربحوا، دون أن يعتلوا منصات التتويج.

بلوغ قمة النصر يتطلب حرق أكوام من الأموال. والأثرياء لا يجمعون ثرواتهم بالاستثمارات الذكية فحسب، بل أيضًا بتقنين الإنفاق، أو الإنفاق بالقدر الذي يضمن تضخم خزائنهم. هذا هو السبب الحقيقي وراء عدم وصول العديد من الفرق إلى منصات التتويج، أو عدم تطورها بالسرعة المتوقعة: ببساطة، لا يحتاجون إلى ذلك.

لذا، إن وجدت فريقك المفضل عالقًا في منطقة غير مرغوبة على الحلبة، فلا تكتفِ بالنظر إلى لوحة التوقيتات. بل ألقِ نظرة أعمق على جداول البيانات المالية، تلك التي تكشف القصة الحقيقية وراء الكواليس، وتوضح لماذا لا تتسارع العجلات بالقدر الذي تتمناه.

مقالات ذات صلة